عندئذ التفت ابن زياد إلى علي بن الحسين (ع)، وهو قال من هذا، قالوا له هذا علي بن الحسين، مرة أخرى: نفس العقيدة الجبرية الأموية، يقول ماذا؟ "أليس الله قد قتل علي بن الحسين؟"، مرة أخرى: الله قتل علي بن الحسين في رأي ذلك الطاغية. فقال الإمام زين العابدين (ع) بكل هدوء: "كان لي أخ اسمه علي قتله الناس". يعني لا تشيلوا مسؤولية القتل، وتذبوها على الله، وإنما قتله الناس، قال: "بل الله قتله"، الله هو اللي قتله. قال: "الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها"، نعم كل شيء تحت إرادة الله، ولكن المبشر للقتل، المباشر للاعتداء، ليس هو الله سبحانه وتعالى، ما من شيء إلا وهو تحت إذن الله وأمر الله وعلم الله، لكن الذي يقتل مباشرة هو هؤلاء الناس. قال: "وبك جرأة على رد جوابي!" هاي طريقة الطواغيت، هاي طريقة الظلمة، لما ما يصير عنده منطق، لما ما يصير عنده كلام معقول، يتوسل بمنطق القوة، بالعنف، بالاعتداء، فقام لكي يقتله، وسحب سيفه من غمد! هنا رمت العقيلة زينب سلام الله عليها بنفسها على إمام زمانها، ابن أخيها، الإمام زين العابدين (ع)، وصاحت: يا بن زياد حسبك ما سفكت من دمائنا. بس بعد، هذا يكفي. هذا المقدار لقد بلغت فيه الغاية، "حسبك يا بن زياد ما سفكت من دمائنا، والله لا يقتل حتى أقتل قبله"، وهي تطوقه سلام الله عليه بذراعيها.
فتراجع ابن زياد من جهة لأنه خشي أن يقتل زينب، وقتل النساء عند العرب كان عارا كبيرا، ولا سيما وهي مسالمة هنا، وهي مأسورة، ومن جهة أخرى، لأن بعض من حضر، قيل أنه عمرو بن حريث، وقيل المغيرة بن شعبة، قالا له: أن هذه امرأة ثاكل وهي لا تؤاخذ بشيء من منطقها.
ونفس الكلام في موضع آخر، عندما أراد أن يعاقب زينب سلام الله عليها، واستل محزمه، عندا قالت له: "إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا، ثكلتك أمك يا بن مرجانة" في إشارة لا تخفى على السامع، يعني: أنت أمك مرجانة، تلك المرأة المجوسية التي فجرت في زمانها، وهذا معروف، لذلك في كلام الإمام الحسين (ع): "ألا وإن الدعي بن الدعي"، المقصود به ابن زياد، وزياد، كلاهما يدعى لأبيه، والحال أنه ليس معلوم النسبة. وإنما كما اتهمت تلك سمية في قضية أبي سفيان باعترافه أنه أنجب زياد من سفاح، فإن هذه مرجانة أيضا، وهي امرأة مجوسية، تزوجها زياد ابن أبيه، وعرف عنها أنها غير مستقيمة، وكانت لها علاقات مع عبد وجها، ولذلك قيل: أن ابن زياد كان أشبه بذلك العبد منه بزياد ابن أبيه. لا يشبه أباه كثيرا بمقدار ما يشبه ذلك العبد الذي فجر بأمه. هكذا ما يقولون، راجعوا مثالب العرب لابن الكلبي، ففيه من هذا القبيل شيء كثير.
هذا التعريض بأمه، وأنه أنت لا تتصور نفسك لسيطرتك على الحكم تغير المقاييس والموازين، احنا بالتالي حجورنا الطيبة ونسبنا الطاهر وأرحامنا المقدسة، لا يمكن أن تصل إليها. فلما سمع منها ذلك. قام إليها خطوات، قالوا: واستل سيفه من محزمه، ليضرب العقيلة زينب سلام الله عليها! أين أنت يا أبا الفضل العباس، أين أنتم يا بني هاشم، أين أنتم يا من صنتم هذه العقيلة الطاهرة والحوراء الكاملة عن كل أذى، حتى إذا تفانيتم وذهبتم أصبح يستامها الخسف مثل ابن زياد وأشكاله، فقام البعض ممن حضر، وحال بين ابن زياد، وبين زينب، حتى لا يضربها أمام الناس. نفس هذا أيضا يؤلم لزينب، لأن يوم من الأيام يدافع عنها أخوها أبو الفضل العباس، وأخوها الحسين، ويوم آخر يدافع عنها أعداؤها، يدافع عنها هؤلاء الذين أوردوها هذا المورد.