لكن عندنا احتجاجات فردية مثل هذا، مثل: المرأة الأخرى، زوجة مالك ابن النسر البدي، هذا اللعين، هو واحد ممن ضرب الإمام الحسين (ع) بعدما وقع على الأرض، ضربه بسيفه، وكان على الحسين (ع) برنس فامتلأ البرنس دما. فبعد ما استشهد الإمام الحسين، إجا أخذ هذا البرنس، شوف خسة النفس، شوف ضعة المستوى، جاء وأخذ هذا البرنس، شقد قيمته هذا البرنس! أخذه وجاء به إلى الكوفة، وأمر زوجته أن تغسله، قالت له: ما هذا؟ فقال لها: هذا برنس الحسين، وقد ضربته بالسيف. فقالت له: حشا الله قبر نارا، والله لا أجتمع معك في بيت واحد. إما أنت تطلع أو أنا أطلع، وبالفعل هجرت ذلك الرجل. وكان هذا أيضا من الاحتجاج الذي نعده احتجاجا فرديا.
في الكوفة، بعد ما دخل ركب السبايا، وقد أمر بتعطيل الأسواق، وبخروج الناس، عطلة رسمية، خلاص، الناس أيضا يخرجون للتفرج ووسائل الإعلام في ذلك الوقت أخبرت كل بلد، في كل زمن، إله وسائل إعلامية، الآن كيف أن عندنا وسائل إعلامية، كالقوات، والإذاعات وما شابه ذلك. في ذلك الوقت كان شيء مثل الطبول تدق، وواحد أو جماعة يدورون في الحارات والأماكن يطلبون من الناس أن يخرجوا ليتفرجوا أو ينالوا الجوائز أو ما شابه ذلك. وألحق بركب الأسارى، ألحق بهم رأس الحسين (ع). لأن لما وصل وشافه هذا ابن زياد لعنة الله عليه، لما جاء ركب الأسارى، حتى يدوروا بالرؤوس كلها، ألحق بهم، رأس الحسين (ع).
كأن زينب (ع) وقد التفت إلى ذلك الرأس الشريف تمثلت بقول القائل:
يا هلالا لما استتم كمالا غاله خسفه فأبدى غروبا
ما توهمت يا شقيق فؤادي كان هذا مقدرا مكتوبا
وبدأت هذه الجولة بالسبايا في أزقة الكوفة وطرقاتها، والناس يتفرجون. طبعا مو كل أهل الكوفة كانوا يتفرجون شامتين، الناس انقسموا إلى قسمين: قسم متعاطف، قسم باكي، قسم حزين على ما حصل، وقسم متشمت وفرح بما حصل للحسين وأصحابه. وإلا وجدنا مثلا في الكوفة نساء ساقتهن الغيرة والمحبة بعد أن سألوا: من أي الأسارى أنتم؟ كأنما ما كانوا ملتفتين، من أي الأسارى أنتم؟ فقالت سكينة: نحن أسارى آل محمد. اللهم صل على محمد وآل محمد. نحن أسارى آل محمد، فلما سمعت النسوة بذلك، استعبرن وبكين، ورفضن هذا الأمر، وذهبن وجمعن أزرا ومقانع، منهم ومن جيرانهن حتى تتغطى النساء وحتى تستتر هذه النسوة اللاتي كن في ذلك الركب.
وبعد ذلك، بعد هذه الجولة، بعد هذا العرض الذي عرضوه، استقدموهم إلى قصر بن زياد لعنة الله عليه. فابن زياد طبعا بنشوة النصر التي كانت عنده، أخذ يتهكم عليهن، أولا وجه كلامه إلى زينب (ع) وقد تنحت ناحية وهي متنكرة حتى لا تعرف. فقال: من هذه المتنكرة؟ فقالوا له: هذه زينب بنت علي بن أبي طالب. فقال لها: الحمد لله الذي قتلكم وفضحكم وأكذب أحدوثتكم.
لاحظوا هنا عقيدة الجبر التي يبشر بها الأمويين باستمرار. هنا راح يقولها، وبعد شوي أيضا رح يقولها بالنسبة إلى علي ين العابدين. ليش؟ لأن العقيدة الجبرية، التي تنافي عدالة الله، هي من مرتكزات البناء الأمري، يقولون للناس: الله قدر أنا نصير حكام عليكم، ليش تعترضوا على هذا، الله قدر أن ينقتل الحسين، بل أكثر من هذا، يقول هنا: الحمد لله الذي قتلكم. الله قتلكم. يعني مو عمر بن سعد ولا بن زياد، ولا يزيد! فقالت لها: "إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا، ثكلتك أمك يا بن مرجانة"
هذا يسمونه في البلاغة: الإحالة الضدية. بدل ما تقول: أنت الفاسق، أنت الفاجر، تقول: المفضوح: هو الفاسق، المفضوح والكاذب هو: الفاجر، وهو غيرنا. إذن معنى من هو؟ لازم تستنج أنه ذلك الشخص المخاطب، وهذا من بلاغة زينب، وهي في ذلك الموضع.