اجعلني أخشاك كأني أراك ١١

اجعلني أخشاك كأني أراك ١١
00:00 --:--

ثم اندفع عليه السلام في المسألة واجتهد في الدعاء وقال وعيناه سالتا دموعاً: ( اللهم اجعلني أخشاك كأني أراك)، فنحن نعلم على مسلك الإمامية أنه لا يمكن بل ويستحيل رؤية الله عز وجل في الدنيا والآخرة على حد سواء، خلافاً لما قاله أهل الحديث من مدرسة الخلفاء ان الله يُرى في الآخرة اعتماداً على بعض الاحاديث التي لم تصح وكذبها المعصومون عليهم السلام ونفاها القرآن بقوله: ((لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار))، وقوله: (( ولا يحيطون به علماً ))، وبقوله: (( لن تراني )) إلى غير ذلك مما نُقل، فيستحيل إذاً أن يرى الإنسان ربه في الدنيا والآخرة، لكن لا ريب أن الإنسان عندما يرى شخصاً يراقبه تكون خشيته وخوفه من ارتكاب نواهيه أكثر مما لو كان غائباً عنه، كالولد مثلاً قد يعمل أعمالاً لا يعملها في حضور والده، والشخص العادي قد يعمل أعمالاً لا يعملها عندما يعلم أن هناك رقيباً عليه من طرف السلطة والدولة وهذا أمر لا يحتاج إلى برهان، وحيث أننا لا نستطيع أن نرى الله سبحانه وتعالى فقد استعمل الإمام الحسين عليه السلام هذا التعبير (

اللهم اجعلني اخشاك كأني أراك ) وهذا أيضاً فيه إشارة إلى ما نُقل في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله في مصادر الفريقين (اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فالخشية وإن قال بعض اللغويين بأنها تساوي الخوف إلا أنه يظهر أن هناك بعض الجهات قد تختص بها الخشية دون الخوف، فالخشية عادةً تكون مناشؤها مناشئ عقلائية بينما الخوف قد ينشأ من منشأ عقلائي كالخوف من الله عز وجل وقد ينشأ من منشأ وهمي كبعض المخلوقات التي لم يرها الإنسان كالتنين والمخلوقات الوهمية والاوهام المتخيلة، بينما الخشية كأن كثيراً من موارد استعمالها تشير إلى أن مناشؤها مناشئ عقلائية وأنها أيضاً في الغالب تستتبع عملاً كما جاء في قوله تعالى: (( إنما يخشى الله من عباده العلماء ))، فإن منشأ خوفهم من الله عز وجل هو معرفتهم بأن الله عظيم وقادر وجبار وله عقوبات، فيتبع ذلك إلى أن يُهرَعوا إلى طاعته وأن تخشع قلوبهم لذكره وجوارحهم تنشغل في عبادته.

لو خشي الإنسان ربه وعرف مقام ربه لنهى النفس عن الهوى، فعندما يختلي الإنسان بنفسه وينظر إلى ما حرم الله عز وجل وعندما ينفرد بنفسه ويسطو على مالٍ حرام أو يمارس عملاً محرماً، هنا ينفع (كأني أراك)، فالله سبحانه وتعالى يرانا في كل أحوالنا وهو الناظر والحاضر والمحيط علماً بكل خلقه، فلو تأمل الإنسان في أن ربه أمامه كأنه يراه لما كان يقدم على تلك المعصية.

( وأسعدني بتقواك ولا تُشقِني بمعصيتك )، بعض الناس يروا أن سعادتهم وراحتهم ولذتهم في معصية الله عز وجل، فالبعض لديهم مصدر رزق حلال لكنه يبحث عن بيع المخدرات والخمور وعن الربا والغش وما شابه ذلك ويتصور أنه يستمتع ويسعد بذلك، لكن في الحقيقة فهو واهم ويشقي نفسه في الدنيا قبل الآخرة، فإن هذا المال ممحوق البركة والذي يسعى وراءه تُمحَق بركته ويعيش حياته في حالة الخوف والقلق والرعب، فلم نرى أن تاجر مخدرات مثلاً يعيش حياته بهدوء النفس والأعصاب وراحة الضمير بل هو في حالة خوف ورعب دائم، فيخشى من السلطة والعقاب ويخشى من المنافسين وأصحاب العصابات، وكذلك الشخص الذي يترك زوجته وما أحله الله له من متعة محللة والتي هي عبادة ومتعة جسد ولذة روح فيتخفى ليقتنص لذة محرمة يكتسب من خلالها الآثام يوم القيامة بالإضافة إلى حالة الخوف الدائم حتى لا يُكتشف من قبل أهله وعياله ومجتمعه.

فسعادة المرء وراحته ليست في مخالفة الله عز وجل، بل سعادته الحقيقة هي عندما يطيع ربه ويكون لديه رزق حلال وهانئ يأكله هنيئاً مريئاً لا يعقبه قلق ولا خوف ولا إثم ويستطيع أن يتظاهر بين الخلائق كلها بذلك وهو مفتخر في طاعة الله، فلو نظرنا إلى الزواج لوجدنا أن الإنسان يحب أن يعلنه ويحب أن يأتي له أكبر عدد ممكن من أهل بلده بعكس ذلك الذي يفعل الحرام ويتكتم ويتستر ويقلق.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٤

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة