الحمد لله الواحد الأحد الصمد ١٠
تحرير الفاضلة أم سيد رضا
تحدثنا في حلقة سابقة من دعاء الإمام الحسين عليه السلام عن أن الداعي يشهد بحقيقة إيمانه وثم يبدأ بتفاصيل نعم الله عليه في بدنه من مجاري بصره وأسارير صفحة جبينه، فيشهد شهادة متيقنة واعية بأنه لا يستطيع أن يؤدي شكر نعمة واحدة من نعم الله عز وجل عليه ولا يستطيع أن يحصي ذلك، لكنه مع ذلك يقرر موقفه بالإيمان جازماً بأنه يحمد الله تعالى الذي ليس له ولد ولا شريك ولا ظهير ولا ند، فإن عجز هذا الداعي عن بلوغ غاية الشكر لله إلا أنه غير عاجز عن الإقرار بالتوحيد وعن نفي الشركاء وعن التأكيد على أن الله سبحانه وتعالى هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لك يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وهو الذي سوف يحمده حمداً كثراً يعادل حمد ملائكته المقربين وأنبياءه المرسلين.
من الذي ينبغي أن يحمد؟ وما هي المؤهلات التي لا بد أن تحصل حتى يُحمد صاحبها؟
الحمد إما أن يكون لكامل الذات المنزه عن النقائص، فالحمد هو مرحلة عليا من المدح كأن يحمد شخص شخصاً آخر لأنه في جهة الكرم كريم فيُمدح بذلك ويُحمد عليه، او يُمدح بالشجاعة ويُحمد على ذلك، فإذا كملت صفة من الصفات في ذات مدح بها أثني عليها فيها ثم حُمد عليها، فربنا سبحانه وتعالى في صفاته وكمالاته له الأسماء الحسنى والأمثال العليا بما لا نتصوره نحن البشر، فهذا الكمال الامتناهي في صفاته وأسمائه يستوجب منا ان نحمده سبحانه وتعالى على ذلك حيث أنه هو المطلع الذي لا حدود له في كماله.
جهة أخرى يحمد عليها المحمود وهي الإحسان، فإذا أحسن إليك أحد في عطاء وفي عمل من الأعمال استحق ذلك الإحسان والحمد والشكر، فالإنسان يشكر والديه ويحمدهما على تربيته لأن هذا الإنعام منهما في التربية من الصبر والعطاء والتجلد والإنفاق يستوجب عليه أن يحمدهما ويشكرهما، فكيف بالمنعم الأعظم والمتفضل المنان الأكبر الذي هو الله سبحانه وتعالى ولذا فإنه يستوجب منا الحمد والشكر.
هناك جهة ثالثة أيضاً، أن من يرجى نواله وعطاؤه في المستقبل فإنه يُحمد ويُشكر ويُمدح لإستمطار المزيد من عطائه ولإستدراج الآلاء منه وهذا بالنسبة للإنسان العادي، فكيف إذا كان ربنا سبحانه وتعالى الذي يكون الخير منه مستمر ودائم، والنعمة من طرفه جارية ولا متناهية.
وأيضاً من يُخشى عذابه وعقابه فإنه يُمدح ويُحمد حتى يُتقى بذلك عذابه وعقابه، فلو أنكر الإنسان وجحد وتمرد فإنه يتعرض للعقوبة، ولأن العقوبة الإلهية هي أعظم العقوبات للجاحدين فإن هذا يدفع الإنسان العاقل لأن يحمد ربه وأن يشكره ويترك الجحود والتمرد عليه حتى لا يتعرض لهذا العذاب، فهذه جهات مختلفة للحمد أشار إليها الشيخ عباس الريس البحراني في كتابه أصول المعرفة في شرح دعاء عرفة وهو كتاب ممتع ومفصل من ثلاثة أجزاء مطبوع قبل أكثر من ثلاثين سنة ولكنه كتاب نافع ومفيد في هذا الباب، فقد أشار فيه إلى هذه الجهات المتعددة من عوامل حمد الإنسان لربه سبحانه وتعالى.
الفقرة التالية التي نشير إليها في قوله عليه السلام: (أجل ولو حرصت أنا والعادّون من أنامك أن نحصي مدى إنعامك سالفه وآنفه ما حصرناه عدداً ولا أحصيناه أمداً هيهات أنى ذلك وأنت المخبر في كتابك الناطق والنبأ الصادق، وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها، صدق كتابك اللهم وأنباؤك وبلّغت أنبياؤك ورسلك ما أنزلت عليهم من وحيك وشرعت لهم وبهم من دينك، غير اني يا إلهي أشهد بجهدي وجدي ومبلغ طاقتي ووسعي وأقول مؤمناً موقناً، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً فيكون موروثاً ولم يكن له شريك في ملكه فيضاده فيما ابتدع ولا ولي من الذل فيرفده فيما صنع فسبحانه سبحانه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وتفطرتا، سبحان الله الواحد الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، الحمد لله حمداً يعادل حمد ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين وصلى الله على خيرته محمد خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين المخلصين وسلم).