هناك شهيد في جهة الأجر:
لماذا أطلقنا على هذا الرجل الذي يقتل في المعركة رغم أن المعنى اللغوي بمعنى الحاضر ، العالم، الذي يؤدي شهادة ويخبر. فهذا بحسب النظرة الظاهرية مات ولم يقدم علما ولم يشهد.
من الأقوال التي ذكرت، الشهيد هنا بمعنى المشهود له. صيغة فعيل أحيانا تأتي بمعنى المفعول مثل قتيل بمعنى مقتول. هنا شهيد بمعنى مشهود له وقيل لأن الله سبحانه وتعالى وملائكته يشهدون له بالوفاء وأنه كان عند إيمانه وأنه ذهب لآخر المشوار. فهم يشهدون له بالجنة والثواب العظيم فهو شهيد بمعنى مشهود له.
القول الآخر هو يشهد بمعنى يرى ويعلم، يرى ملكوت الله، يرى الجنة ، يرى النعيم الذي وعد له. قبل شهادته انسان عادي، الحواجز المادية تعيقه عن النظر إلى ملائكة الله، إلى جنة الله، النظر إلى ثواب الله، لكن عندما يتشرف بالشهادة يُكشف له عن بصره فيشهد هذه الأمور يكون عالما بها ناظرا لها وبالتالي يستطيع لو اتيح له ان يخبر عنها. البعض يقول بأنه يشهد على الخلائق من بعده، يعني ما ينتهي هذا الشهيد بموته وإنما يبقى عنده نحو اشراف ونظر إلى الناس فيعرف من يسيء ويعرف من يحسن وكأن الله سبحانه اعطي له هذه القوة والقدرة لا سيما وهم ( أحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) وفي آية أخرى ( فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
هذه العلاقات التي جعلت اطلاق كلمة شهيد التي في الأصل تعني الحضور، العلم، تقديم الشهادة، تنطبق على هذا الإنسان الذي يقاتل في سبيل الله سبحانه بالشروط التي ذكرناها ويوصل إلى مرتبة الشهادة والتي ليست كما وردت في حديث سيد الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) : (فوق كل ذي بر بر) كل شخص لديه أعمال خيرة، فوقها درجة، مثلاً خدمة الناس بر، الشفاعة بينهم في اصلاح خلافاتهم بر، الإنفاق على المحتاج منهم بر، وهكذا كل بر بدرجة فوقها درجة من البر سواء في الكمية أو الكيفية. أن ينفق شخص عشرة غير عن ألفا، أن يسعى في حاجة شخص غير عن أن يسعى في حاجة مائة شخص، وكذلك في الكيفيات والنوعيات. إلى أن يصل الأمر أن يقتل الإنسان في سبيل الله عز وجل فليس فوقه بر. كما قال الشاعر في حق أصحاب الحسين عليه السلام : (جادوا بأنفسهم من أجل سيدهم والجود بالنفس أعلى غاية الجود) يعني لا وراء هذا شيء أكثر من النفس.
الشهادة هنا هي المرتبة العالية، كما كان هناك شهداء رجال كان هناك شهداء نساء.
الجدير بالذكر أنه عبر عن بعض الشعراء بالشهداء وهم لم يكونوا في المعركة هذا موجود في الفريقين .
من مات وهو يطلب العلم مات شهيدا .. المرأة النفساء اذا ماتت في نفاسها حين تمخض أو بعيده بقليل كما نقل في بعض الأخبار أن ام الإمام زين العابدين عليه السلام أنها ماتت وهي في نفاسها بولدها زين العابدين، بناء على هذا أيضا المرأة النفساء فهي بهذه المرتبة ويطلق عليها أيضا عنوان الشهيد. طبعاً لابد أن يكون هناك مؤهلات، من حسن الإيمان ، و من الاستقامة والقيام بالعبادات فإذا كان لهم هذا العنوان كان لهم نصيب الشهداء. بل أكثر من هذا ما ينقله الزمخشري (هو من مفسري مدرسة الخلفاء، وعنده كتاب الكشاف ينقل فيه هذا الحديث وايضا في طرقنا منقول) و هو ( من مات على حب محمد و آل محمد مات شهيداً ) فهذه عناوين مختلفة أطلق عليها عنوان الشهيد، طبعا هذه لا يترتب عليها كل آثار الشهيد، الآثار الفقهية مثلا لا تترتب عليها. إذا مات إنسان وهو في طريق العلم لابد أن يغسل ويكفن يجرى عليه جميع السنن، وكذلك النفساء، أو من مات على حب النبي وآله (ص)وهكذا، فالآثار الفقهية لا تترتب على هؤلاء. بل ربما يقال أيضا بعض المراتب مثل مراتب الشفاعة الكبرى التي ينالها الشهيد ليس بالضرورة أن ترتب على هذه العناوين وإنما ربنا سبحانه وتعالى تفضلا منه ومنة على عباده جعل هذه العناوين تنال أجرا كأجر الشهيد، يكون أجر الشهيد بحسب التعبير وحدة قياس، هؤلاء التي لا يترتب عليهم الآثار التي يترتب عليها الشهداء. لنفرض اجر الشهيد كذا من العطاء هو يصبح عنوانها أجر الشهيد الذي يحصل عليه هؤلاء ممن نزلوا منزلة الشهيد في هذا المقدار ممن صلى على النبي وآله ، ممن مات على حبهم ، ممن مات في طلب العلم، إلى غير ذلك وإلا لا يكون ما يترتب على الشهيد في النظر الفقهي مترتبا على هذه النماذج وإلا كان يسقط التغسيل والتكفين عن جميع شيعة امير المؤمنين عليه السلام لأنهم يموتون على حب محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولله الحمد رب العالمين.