١٢ بين جدية الحياة وإدمان الألعاب

١٢ بين جدية الحياة وإدمان الألعاب
00:00 --:--

ما خلقناهما لاعبين وبعد ذلك يقول: الحياة الدنيا فقط لعب ولهو . إنما هو سبحانه وتعالى يقرع من يؤمن بهذه الفكرة . فأولئك قالوا : " وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ "(٦) فكل، واشرب، والعب إلى أن تنتهي المسألة . فهذه هي الحياة اللاهية العابثة اللاعبة .فعلى مستوى الخلق للعالم كله، فإنّ هذه الحياة مطلوبٌ فيها الجدية وعلى مستوى المقارنة بين الحياة الدنيا المطلوبة إلهياً أيضًا فمطلوبٌ فيها الجانب الجاد . بل أكثر من ذلك حتى اللهو مع الأمور الحسنة والمحللة لا ينبغي أن تُلهي الإنسان عن أهدافه الحقيقية : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ"(٧)، مع أن الملاعبة والمداعبة مع الأولاد هي من

الأمور المستحبة والمستحسنة وكذلك الأموال ، لكن قضية اللهو غيرُ مطلوبة من الإنسان حتى بالنسبة لهذه الأمور المحللة ، إنما المطلوب منه أن يكون جاداً في حياته، أنْ يعرف من أين وإلى أين وفي أين ؟ فالله سبحانه وتعالى من أين جاء بك ؟ وإلى أين سيأخذك ؟ وفي أين أنت مَوجود الآن .فالله جاء بك من العدم وأعطاك مختلف النعمْ وصَرف لك الأشياء حتى تصِل في الطريق : "يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ" (٨)هذه نتيجتك فانظر أين أنت الآن وكم من الطريق قطعت ؟ وكم من المهمة أنجزت؟ وماذا صنعت من أجل ذلك الهدف ؟فهَذه منْ المشاكل المُهمة التي تعترض طريق الإنسان وهي أنّه غافلٌ عما يراد به كما هو في الدعاء : ( يا

غفلتي عما يراد بي )(٩) فتُنفق أيامه ويَذهب عمُره ولا يستطيع إيقاف الزمن و يستنفذ رصيده ساعةٍ ساعَة، ويومًا يومًا، وشهرًا شهرًا إلى أن يرى نفسه في يومٍ ما وقد انتهَى رصيده وهو إلى الآن لم يقطع نصف المسافة المطلوبة منه . فهل جربت في أحد الأيام أنك ذاهبٌ إلى مشوارٍ طويل بالسيارة وفي نصف الطريق نفذ منك الوقود ؟ فإذا كانَ هنا بإمكانك الاتصال بأحدٍ ليأتيك بوقودٍ إضافي ، فبالنسبة لحَياة الإنسان لا مجال لذلك، لأن عُمر الإنسان من الأشياء النادرة التي لا تتدارك . ففي الخبر ( كل يومٍ يمر على ابن آدم يناديه : يا بن آدم يقول أنا يوم جديد وغدًا عليك شهيد فقل فيَ خيرًا واعمل فيَ خيرًا فإنك لا تراني بعد هذا أبدًا) فيوم

العاشر من محرم لعام ١٤٤١هـ قد ذهب و لا يأتيك إلى يومْ القيامة، فإذا أتى يوم العاشر من محرم في سنةٍ أخرى فهذا يكون علامة على أنك خسرت من عمرك سنة كاملة، فلا تستطيع استرجاعه حتى لو بذلت كل ثروتك لتسترجع نصف نهار فإنّكَ لا تقدر، والمشكلة أنّه إذا انتهى ذلك اليوم فقد انتهى جزءٌ منك .يقول أمير المؤمنين عليه السلام:( يا بن آدم إنما أنت عدد أيام فإذا ذهب يومك فقد ذهب بعضك ).فلو قيلَ لشخصٍ ما له أنك في كل يوم يقطع منك مقدار بعد مدة من الزمان تستنفذ أعضاؤك وتنتهي، وهذا هو عمرك ، أيامك هي أجزاء من بدنك فكلما ذهب عنك يوم فإنّه جزءٌ من بدنك قد ذهب إلى أن ينتهي الرصيد مثلُ الساعة الرملية تُملأ

من الأعلى ثم تنزل حبةٍ حبة إلى أنْ ينتهي رُبعها، ثم نصفها، ثم تنتهي بأكملها ، فعمر الإنسان هكذا يتبخر بهذه الطريقة .

كيف يتعامل العاقل مع عمره :

فالعاقل الحكيم هو من يتعَامَل معَ الحَياة بالجدية المطلوبة الكافية، وأن لا يتصَور أنه يقتل الفراغ، فالفراغ يقتلك ، أو بأن يقول أنا سأقضي وقت لأنّ الوقت يقضي عليك. فنحن لا نلتفت لهذ المعنى . فقد تلاحظ أنّ رصيدك في البنك قد نقص بهذا المقدار اليوم، وبذلك المقدار أمس، وهكذا وتأتيه رسائل تنبهه. وكذلك العمر هُناك رسائل تنبهنا فاللحية البيضاء منبه، والأمراضْ التي تعتري الإنسان منبه، فمن مدة من الزمنْ كنت تصعد خمسة طوابق جرياً والآن إذا تصعد درجتين لا تستطيع التنفس! فهذا منبه . ظهري يؤلمني، وركبتي توّجعني ولا أستطيع المَشي وإلى آخره . فكثيراً ما يغفل الإنسان عن هذا المَعنى فيكون ساهيًا، ولاهيًا، وعابثًا في أمرٍ ليس مما يراد به .
فنقرأ في الدعاء ( يا غَفلتِي عمّا يُراد بيْ ) فأنا مشغول، ولكن مشغول بأي شيءٌ يختلفْ عن الهدف الأصلي الذي من أجله خلقت؟!
وهذا يقتضي منّا أن ننظر إلى الحيَاة بجديةٍ كافية لأنها مُتصرمة، وأيامها مُستنفذة وهي تأخذ منا الليل والنهار . يقول الإمام علي عليه السلام: ( الليلُ والنهارْ يعملانْ فيك فاعمل فيهما )(١٠) فهُما يشتغلان على هدم بدنك فاعمَل فيهما حتى تستثمر بدنك، فإذا ذهب يومُك وأنت قد استثمرته فيْ الهَدف الأساسي فأنت الرابح . فاستثمرته وأنت ماضٍ لمقصدك إذن لن تخسر شيئاً. أما ذاك الذي يقضيْ اليوم تلو الآخر في لهوٍ، ولعبٍ، وعبثٍ وعدم جديّة هذا الذي يجب أن يتأسف على عمره إذا ذهب ، فالحياة إذنْ لا تحتملْ كما يريدُها الدينْ وهي أن ينظر إليها الإنسان على طريقة اللهو واللعب .

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة