الإيمان بالدين والتحديات من الداخل
تفريغ نصي الفاضلة أم جواد
قال تعالى: " يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون"
إن الديانات السماوية تواجه عادة نمطين من التحدي، التحدي الأول هو التحدي الخارجي الذي يتشكل عادة من السلاطين المعادين لرسالات الرسل، ومن القوى المهيمنة في المجتمع والتي لا تريد أن تعم أحكام الدين
ولا تريد أن يتدين الناس بأمر الله عز وجل لأن هذه الديانات تحوي الوعي والمطالبة بالحرية وما شابه
وهذا كله لا يرتضيه أولئك لهذا وجدنا أول من يواجه رسالات السماء هم هذه الفئة
يواجه نمرود النبي ابراهيم ويحاول أن يقضي عليه وعلى رسالته، ويواجه فرعون النبي موسى ويحاول القضاء عليه أيضا وتواجه السلطة الرومانية النبي عيسى وتحاول القضاء عليه بل وتصلبه بزعمها لقتله، وهكذا الحال بالنسبة لنبينا المصطفى محمد "ص" حيث واجهه طغاة قريش وعتاتها ولاحقوه وأرادوا اغتياله وبعد هجرته لحقوه إلى المدينة وكان بينهم وقعات كثيرة من أجل القضاء على هذه الرسالة.
في هذا الجانب نجد القران والتاريخ يتحدثان عن أن الله تعالى ينصر رسله "إنا لننصر رسلنا" في مواجهة أولئك الأعداء.
الله يتحدث عن أن أولئك مهما صنعوا فإن الله متم نوره ويأبى أن يُطفأ على أيدي هؤلاء.
هذا التحدي الأول الذي تواجهه عادة الديانات السماوية وقد تعهد الباري أن يكون الانتصار الواضح لطريق الرسالات وللأنبياء.
والتحدي الثاني الذي تواجهه الديانات السماوية هو التحدي من داخلها حين ينبعث أفراد وتيارات تستخدم نفس أدوات الدين لكنها تغير مفاهيمه "يحرفون الكلم عن مواضعه" أي أنهم يستخدمون نفس الكلم ونفس الآيات ونفس السور لكن تعُطى لها أبعاد مخالفة لما أراد الله ولما جاء به الرسول.
وهذا التحدي إن لم يكن أخطر من التحدي الأول فليس بأقل منه، يذكر الباحثون في الديانات دور بوليس الطرطوسي، المعروف الآن باسم الرسول بوليس، الذي يعتبر الآن المؤسس الثاني للمسيحية في العالم بعد عيسى بن مريم، والحقيقة أنه شخص أخذ طريق المسيحية لغير ما كانت عليه كما يقول الدارسون.
فقد كان يهوديا على شريعة موسى والتوراة، كافر بالمسيح بل يعتبر المسيح دجلا وأن الله لم يبعث نبيا بعد موسى.
وكان متطرفا لحد أن يدل السلطة الرومانية على من يؤمن بعيسى حتى يُعدم، حيث كانت السلطة الرومانية معادية لرسالة المسيحية ثم قيل إنه رأى رؤيا غير ذلك.
هذا الرجل عندما دخل للمسيحية أدخل فيها كما يقول الباحثون أشياءً لم تكن فيها بالأصل مثل عقيدة التثليث التي يؤمن بها أغلب المسيحيون، هذه العقيدة لم تكن موجودة وإنما جاء عيسى بن مريم بالتوحيد كما جاء به موسى وإبراهيم ومحمد وما بعث الله نبيا إلا بالتوحيد.
الشيء الذي كان من تراث عيسى بن مريم كان فيه دلالات واضحة للتوحيد لكن هذا الرجل أحل محله التثليث.
عيسى بن مريم الذي كان بشرًا وعبدًا لله " إني عبد الله آتاني الكتاب" وإذ به يتحول على هذا النحو من التفكير إلى شيء يُعبد بل إلى نصف إله شريك لله عز وجل.
وبهذا أدخلوا في هذه الرسالة مجموعة أفكار تناقض الأصول الدينية لها ولغيرها من الرسالات.
عقيدة الخلاص أيضا تنسب إلى هذا الرجل حيث قال إن المسيح عندما صُلب افتدى بدمه ذنوب من يؤمن به إلى يوم القيامة. وجاء بعدد من الأفكار التي أخذت ما عبر عنه القرآن " يحرفون الكلم عن مواضعه"
هذا يُذكر كتجربة واضحة في الحالة المسيحية.
أما في الحالة الإسلامية فنحن أيضًا مهددون بشيء من هذا القبيل، أن يأتينا شخصًا او تيارًا فلا يقول أنا أكذب بالإسلام ولا أعترف بالقرآن أوالنبي لأنه لو قال ذلك لصار من الصنف الأول المواجه مواجهة كاملة شاملة ولا أحد يأخذ منه كلاما، وإنما يأتِ بعبارات وطرق أخرى تفضي لتفريغ الدين من محتواه، فلا يعود ذلك الدين الذي في القرآن والذي جاء به النبي.