نعلم أن العباس "ع" ليس من المعصومين الأربعة عشر، لكن له مستوى من القداسة في أنه نصر الدين في وقت قلَّ أنصارُه وثبت في موقف ذُهل الكثير فيه عن وقوف هذا الموقف.
يقول الإمام السجاد المعصوم "ع":" وإن لعمي العباس منزلة في الجنة يغبطه بها جميع الشهداء"
يقول العلماء أن هذا من أوضح أنحاء العموم وهو الجمع المحلى بالألف واللام وكذلك كلمة جميع، مما يعني أن جميع الشهداء يغبطونه، حتى حمزة وجعفر بن أبي طالب يغبطونه فضلًا عن غيرهم.
في الزيارة المروية عن الإمام الصادق "ع" في زيارته للعباس "ع" نجد طريقة تسليم عجيبة: " سلام الله وسلام ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين وعباده الصالحين والزاكيات الطيبات فيما تغتدي وتروح عليك يابن امير المؤمنين، أشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبي المرسل والسبط المنتجب والدليل العالم والوصي المبلغ، فجزاك الله عن الإسلام ورسوله وأهله أفضل الجزاء وأحسن الجزاء وأوفى جزاء أحد مما وفا ببيعته واستجاب له دعوته وأطاع ولاة أمره "
لهذه الدرجة يريد الإسلام أن يعلم الإنسان تقديس أصحاب القداسة.
هناك أحد في المرتبة العليا والكبرى كنبينا محمد وهناك من دون ذلك كالمعصومين وهناك من دون ذلك ولو لم يكن معصوما لكنه نافح وكافح وجاهد في سبيل الله كالعباس عليه السلام.
حيث يقول له الإمام الحسين المعصوم حين أراد العباس أن يمضي للقتال: " اركب بنفسي أنت " فكيف يفدي الإمام المأموم؟ وهذا لم نسمعه إلا في هذه الرواية وهذا الموقف.
وفي موقف آخر حين سقط العباس على الأرض، قال الحسين "ع" : " الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي وفلت شوكتي وشمت بي عدوي"
العباس "ع" رجل بهذه القداسة والتقدير عند الحسين، وقد ادخره الحسين آخر سهم في كنانته، وكان ضنينا به على الحرب، مع أن العباس في بداية يوم العاشر قال: نحن بني هاشم من يجب علينا أن نبدأ ونتقدم للقتال بين يدي الحسين.
وكذلك قال حبيب بن مظاهر: نحن الأنصار من يجب علينا أن نتقدم غيرنا للقتال بين يدي الحسين.
كان العباس يريد المبادرة والسبق في القتال لكن الحسين قال له أنه مدخر لآخر الأنصار.
وكان الحسين يرد العباس كلما أراد التقدم للقتال، حتى أن بقي الحسين فريدا وحيدا لا ناصر له ولا معين، قد قُتل الأنصار وقُتل علي الأكبر وبقية الهاشميين.
جاء العباس عندها للحسين وقال: " أخي أبا عبد الله ائذن لي بالقتال"
فنظر له الحسين وقال:" أخي أبا الفضل أنت حامل لوائي، إذا أنت قُتلت يؤول جمعنا الى الشتات"
لكن العباس قال: " لا طاقة لي على الصبر وأنا أسمع النساء والأطفال يتصايحون العطش العطش، فلا بد لي من ذلك فأذن لي حتى أطلب لهم الماء " قال الحسين "ع": " اركب بنفسي أنت"
وقد أحضر العباس الماء قبل العاشر لأكثر من مرة للنساء والأطفال لكنه لم يشرب منه بل آثرهم على نفسه.
وهذه المرة أيضا حين ذهب لجلب الماء لم يشرب منه لأنه يخالف الايثار الذي عنده.