لعل البعض يتساءل أنه لماذا يحدث ذلك؟ الجواب هو أنه ليس من حق شيخ القبيلة أو رئيس المنطقة أن يمنع هدى الله عن الناس لا من الناحية القانونية ولا من الناحية الدينية، فكان النبي يرسل الوفود إلى تلك المناطق ومن جملة المناطق التي أرسل الوفود إليها هي منطقة نجران التي تقع جوب المملكة العربية السعودية وشمال اليمن وقد أصبحت الآن جزءاً من المملكة وقد كانت في السابق مركزاً دينياً لليهود أولاً ثم المسيحيين ثانياً وقد كانت بمثابة حلقة وصل بين الحبشة التي كانت مسيحية وبين المسيحيين واليهود الذين قد يتواجدون في اليمن أو أطراف المدينة وما شابه ذك، وكان فيها حضور ديني كبير من الأساقفة والأساوسة والأحبار، فعندما أرسل النبي موفدين من قبله إلى هذه المنطقة قام كبار المنطقة واستقبلوا
هؤلاء الموفدين وقالوا لهم بأنهم جاؤوا من قبل رسول الله صل الله عليه وآله وأنهم أمروا أن يعرضوا دين الله على أهل هذه المنطقة فإن استجابوا وآمنوا أصبحوا جزءاً منهم وإن رفضوا فلابد أن يحددوا علاقتهم مع هذه الدولة ومع هذه السيطرة فإن كانوا معادون فلا شك بأن خيار الحرب سيكون موجوداً وإن كانوا مسالمون فلابد أن تكون هناك اتفاقية ومعاهدة يوقعها الطرفان، فقد كان هناك زعيمان كبيران أشبه بمثابة مرجعية دينية لهما وهما العاقب بن مسيح والآخر هو السيد الأبهم بن النعمان وقد كان لهما معرفة دينية مسيحية ويهودية وقد كانوا أيضاً كبار في السن فأقنعوا من حضر بأن لا يتعجلوا في الحرب ولينظروا إلى الصفات التي تذكر عن النبي محمد صلى الله عليه آله وسلم هل تنطبق على
الصفات الموجودة عندهم والتي تتحدث عن نبي سيبعث في مكة أو في المدينة أو أنه قد يكون غير صادق في دعواه، ووجدوا بأن هذا هو الرأي الحسن وعندها قاموا بمراجعة الكتب ويذكر بأنهم لديهم بعض صحف شيث وهو هبة الله بعد الطوفان وقد كان هو النبي الأكبر وكان عندهم أيضاً بعض صحف إبراهيم وتوراة موسى وإنجيل عيسى وقد قاموا بمراجعة كل تلك الكتب القديمة التي تنسب إلى الأنبياء والحواريين فرأوا بأن كل تلك الكتب تعضد بعضها في تصديق نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أثر ذلك قالوا أنه لا يمكن أن نحارب فهذا الرجل تنطبق عليه المواصفات التي ذكرتها الكتب السماوية، ولكن أصبح لإشكال عندهم في إتباعه أو عدم إتباعه بحجة أنهم على ديانة سماوية أيضاً فاتفقوا
بعد ذلك على أن يأتوا إلى المدينة للتفاهم مع النبي صلى الله عليه وآله لعلهم يقنعوه بدينهم وقالوا لموفدي الرسول بأن يرجعوا، وبالفعل في اليوم العشرين من ذي الحجة في العام التاسع للهجرة وصل وفد من منطقة نجران بعد أن انتخبوا أربعة عشر عالماً من علمائهم وعلى رأسهم العاقب بن المسيح والأبهم ويردفهم سبعون شخصية اجتماعية فأصبح عددهم ما يقارب ٨٤ أو ٨٥ إنسان، وقد كانوا يرتدون الأردية المطرزة والقفاطين المذهبة والزنانير المرتبة، فلما وصلوا إلى المدينة جلسوا في اليوم الأول للراحة وينقل بأن أمير المؤمنين عليه السلام مر بهم في اليوم الثاني ليستخبر ما هو موضوعهم فقال له العاقب بأنهم جاؤوا ليقابلوا الرسول، فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام أن الرسول لن يستقبلهم بهذا اللباس لأنه يحتوي على إشارات
الصليب ويوجد فيه بهرجة دنيوية زائدة، وبالفعل طلبوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقيموا القداس أي صلاتهم في المسجد فرفض المسلمون ذلك ولكن النبي صلى الله عليه وآله أذن لهم في الدخول وأقاموا الصلاة في ذلك المسجد كما ينقل السيد ابن طاووس وعنه ظاهراً صاحب الموسوعة الحسينية ويظهر أن صاحب تفسير الأمثل قد نقل هذا المعنى، فعندما جاء اليوم الثالث دخلوا في النقاش مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد كانوا يركزوا على أن عيسى بن مريم أصبح جزءاً من الإله قد حل فيه عندما نفخ الله فيه من روحه وأنه لم يكن كسائر البشر بل أن جزء منه هو جزء إلهي وأنهم يعبدون هذا الجزء، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( أن