قضية المباهلة: الحادثة والدلالات
تحريرالفاضلة أم سيد رضا
قال الله تعالى في كتابه الكريم: (( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون* الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين )).
شهر ذي الحجة يشتمل على مناسبات كثيرة ترتبط بقضية ولاية أمير المؤمنين عليه السلام وتعيين القيادة له ولولده المعصومين عليهم السلام من بعده، فنحن نجد أن في النصف الثاني من شهر ذي الحجة تأتي مناسبة الغدير وهي التتويج النهائي لكل الوصايا والعهود والتعيينات والمراسيم التي قالها رسول الله صلى الله عليه وآله في حق أمير المؤمنين عليه السلام منذ أن بدأ بذلك في يوم الإنذار بيوم الدار وكان علي عليه السلام في حدود العاشرة من العمر، فمنذ ذلك الوقت بدأت حفلات التعيين والتنصيب والتأكيد على ولايته وخلافته ووصايته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله واستمر ذلك لمدة ٢٣ عاماً ثم توجت بعد ذلك في يوم الغدير في الثامن عشر من شهر ذ الحجة، وفي هذا الشهر أيضاَ كانت حادثة التصدق بالخاتم وأهمية هذه الحادثة أنها عندما ذكرت وأرخت من قبل القرآن الكريم كانت بعنوان الولاية وكان بالإمكان أن تذكر بغير ذلك العنوان أي أنه كان بالإمكان أن تذكر بأنها قضية الإنفاق في سبيل الله في سياق آيات الإنفاق كما ورد في قوله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ))، فحادثة التصدق بالخاتم أيضاً من هذه المناسبات التي كانت في شهر ذي الحجة، ومن تلك المناسبات أيضاً قضية المباهلة ويلحظ هنا أن هذه المناسبات الثلاث تحدث عنها القرآن الكريم،فآية الغدير (( اليوم أكملت لكم دينكم ))، وقوله تعالى: (( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك )) ، وقضية التصدق بالخاتم (( إنما وليكم الله ورسوله ))، وف قضية المباهلة في قوله تعالى: (( وقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ))، وهذا يعطيها ميزة إضافية.
المباهلة في اللغة العربية بمعنى الملاعنة أي إذا تصدى شخصان أو فئتان ليلعن بعضهم بعضاً يقال تباهلا أي تلاعنا، فالمباهلة بحسب ما ورد هنا ويظهر أنها كانت مع الأنبياء السابقين بحدود ضيقة بحسب ما تحدث عنها الروايات فتعني مثلاً أن شخصان يتناظرا ويتناقشا فإذا لج أحدهما عن قبول الحق ولم يخضع إلى الآخر قيل له أن نتباهل أي ندع الله عز وجل أن يهلك المبطل منا، وقد فصل القول في هذه القضية السيد علي بن موسى بن طاووس صاحب كتاب إقبال الأعمال المتوفى في عام ٦٦٤ وهو من أجلة العلماء وفي طبقة أساتذة العلامة الحلي رضوان لله عليهم وله مؤلفات كثيرة، فقد ذكر تفاصيل هذه الحادثة في كتاب تفاصيل الأعمال مع أن هذا الكتاب يتحدث في قضية الأعمال الحسنة والصالحة وما ينبغي أن يفعل، وقد فصل هذه الحادثة أيضاً العلامة الكرباسي في كتابه دائرة المعارف الحسينية في الجزء الثاني من كتاب السيرة الحسينية، فمختصر السيرة هو أن نبينا المصطفى محمدصلى الله عليه وآله وسلم بعد أن استتب له الأمر في المدينة وبعد أن فتح مكة وأخضع قبائل ثقيف في الطائف أصبحت له هذه السيطرة على هذه المنطقة في الجزيرة العربية وهي كانت المنطقة الرئيسية والمركزية وقد بدأ بإرسال وفوده إلى سائر القبائل والمناطق داعياَ إياهم إلى الإسلام بإعتبار أنه مأمور بتبليغ الإسلام، فالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان يبعث الوفد وفي هذا أمر سلمي فإذا تعن تذلك الرئيس أو كبير القبيلة أو رئيس المدينة والمنطقة بعد محاولات عديدة حينئذ يبدأ معه الحرب.