في الفقه وضع الحكم على منهاج القضية الحقيقية لا على منهاج القضية الخارجية ، يعني ليس شرطاً أن يكون الشيء موجودا خارجاً حتى يوجد الحكم ، من الممكن أن يحرّم عليك الخمر حتى كان لو الخمر غير موجود أصلاً ، فإذا فرض ووجد في وقت من الأوقات فهو حرام يجب عليك الاجتناب عنه . القربى الآن غير موجودة فإذا وجدت القرابة وكنت موجودًا يجب عليك مودّتهم ، وكذلك في قوله (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) ١٣ الآن أولو الأمر غير موجودين ، لأن الرسول موجود ، فإذا وجد أولي الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وجب إطاعتهم ، ولعلّ أكثر الأحكام الشرعية هي من هذا النوع هي على منهاج القضية الحقيقية إذا فرض و حصل موضوعها
تجب وتحرم .الجواب الآخر أنّ هذا الموقف السلبي لهؤلاء تجاه أهل البيت عليهم السلام جعلهم يغفلون مراجعة كتبهم ، فلو نظروا إلى تفسير القرطبي وما كتبه الإمام الشوكاني حيث قال عن سورة الشورى بأنّها مكية إلا أربع آيات منها فمدنية ، و أولّ هذه الآيات (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنًا)
٢/ الأمر الآخر من فوائد معرفة المكي والمني إنّ هذا يوضّح في الجانب التاريخي جزءاً من سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله ، ذلك أنّ الآيات كأنها ترافق النبي صلى عليه وآله في مسيرته الدعوية ، ونحن سنعرف إذا كانت الآية مكية من خلال أجواء خطابها ، وكيف كان خطابها وموجّه لمن ، ومن خلال مفرداتها ، وكيف تحرك النبي بهذه الآيات المباركات.
الآن يستطيع الإنسان تمييز خطابات الخطباء من خلال المفردات التي يستخدمها الخطيب ومن خلال الأسلوب ، ويستطيع تحديد المرحلة الزمنية من خلال المواضيع التي يتناولها الخطيب ، وكذلك بالنسبة إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وكيف تعامل مع أعدائه.
٣/ معرفة المكي والمدني بفيد في معرفة الناسخ والمنسوخ وذاك لأنّ الناسخ لابدّ أن يكون متأخراً عن المنسوخ ، والمنسوخ ممحي وكأنك تكتب شيئًا ثم تمسحه والمسح يكون بعد الكتابة ، فلابدّ أن تكون الآيات المدنية هي الناسخة للآيات المكية .
وفي موضوع نسخ الآيات يوجد كلام طويل فقط إشارة بسيطة يوجد هناك رأي يقول
أنّ النسخ عندما نتحدث عنه هو نسخ الآية لآية أخرى ، آية سبق أن نزلت فتأتي آية أخرى فتنسخها ، وهذا ممكن ، وأما نسخ الآية بالأحاديث فهذا على رأي المحققين لا يعتبر به أبداً مثلاً ، لدينا آية من الآيات يأتي راوي من الرواة يقول إنّ هذه الآية محذوفة تغيّر حكمها لا يقبل كلامه إلا من بعض الحشوية غير المحققين ، وأمّا رأي المدرستين : رأي الإمامية قاطبةً ورأي المحققين من مدرسة الخلفاء أنّه لا يمكن نسخ الآية بحديثٍ من الأحاديث لاحتمال أن يكون المتحدث مشتبهاً أو ناسياً أو متعمداً في ذلك فلا يستطيع أن يأتي وينسخ ويمحو آية قرآنية.
النسخ بآية من الآيات
يوجد هناك أيضاً أكثر من رأي في هذه المسالة:
الرأي الأول / أنّ البعض لديهم مبالغة في ذلك فقالوا هناك أكثر من مئة وثلاثين آية في القرآن منسوخة .
الرأي الثاني / لا توجد أيّ آية منسوخة أصلاً .
الرأي الثالث / يقول هناك نسخٌ لآيات قلائل ، و من ذلك ما ذكروه في آية النجوى
(يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدّموا بين يدي نجواكم صدقة) ١٤، هذه الآية بعد مدة من الزمان لم يلتزم بها أحد ، ثم نزلت الآية (أأشفقتم أن تقدّموا بين يدي نجواكم صدقات) ١٥
فرفع هذا الحكم و قالوا أنّ هذا من موارد النسخ .
وقيل أيضاً من موارد النسخ قضية التوجه الناس إلى الكعبة إلى ما سبقه التوجه إلى البيت المقدس وذلك في قضية تحويل القبلة إلى الكعبة ، حيث أتت الآية المباركة (فولّ وجهك شطرا المسجد الحرام) ١٦ ناسخة للأمر السابق وهو التوجه إلى بيت المقدس.
إذًّا إذا عرفنا أين المكي وأين المدني من الآيات ومن السور ، يفترض أن نعرف الناسخ من المنسوخ ، ويفترض أن يكون المدني ناسخٌ للمكي لأنّه متأخر عنه.