والغالب هكذا أنهم يصنعون هذه الروايات بشخصياتٍ مُختَلَقَة وأحداثٍ مُختَلَقَة من أجل التعبير عن أفكارهم.
القرآن الكريم هذا فيه محذور، فالشخصيات والأحداث كُلها حق “إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ”، الكلام الذي يدور بين الشخصيات أيضًا حقيقي وليس فيه زيادةٌ أو نقيصة. لذلك القرآن يستعينُ أحيانا في أثناء القصة فلا يجعلها سردٌ بالكامل، وإنما يقفُ وقفاتٍ لكي يُركز المفاهيم ولكي ينقُلَ لقارئ القرآن بعض الأفكار. وهذا يكون إما في بداية القصة فيُعطي ملخصا عنها، أو في نهايتها.
كمثال هذه الآيات في آخر سورة يُوسف بعد أن انتهت القصة بأن نبي الله يوسف رفع أبويه على العرش وأُسدِلَ الستار - بحسب التعبير - على هذه القصة، طبعا استمرت بعدها حياة النبي يوسف (ع) ولكن هذا المقدار هو الذي انتُخب لكي يُقدم إلى الناس. منذ أن سقط في البئر إلى أن أصبحَ سلطان مصر وما حولها، ومُنقذ الاقتصاد من القحط، وأيضا الشخص الذي هدم الوثنية وجاء بالتوحيد.
في نهاية القصة يقول الله “وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي” لاحظوا هنا في الحديث في فنيات القصة يقولون لا بد أن تكون نهايةُ القصة مشوقة وجاذبة، ونرى أن النهاية في قصة يوسف أتت بأسلوبٍ مشوقٍ وجاذبٍ بالفعل.
بعدها يُخاطب الله وجدان الناس، يوسُف كان في بئر، وكل الظروف كانت تقتضي أن تنتهي حياتُه في ذلك البئر، الآن ليس فقط لم يمت وإنما أصبح السيدُ الرئيس، وأصبح مُؤسسُ التوحيد في ذلك المكان وكل الناس خاضعةٌ له. يُوسف (ع) هنا لم يستكبر أو يشمخ بأنفه، ولم يقُل حققت كذا وكذا أو ما شابه ذلك، وإنما قال “رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ” أي أنهُ لم ينسى ذلكَ اليوم حين كان في قعرِ البئر حيثُ الظلمة وخوف الغرق ولا طريق للخروج، يوسف (ع) يقول في ذاك الوقت كنتَ يا رب وليٌ لي، والآن أنت أيضا وليٌ لي وأنا في هذا العز. فلنأخذ النبي يوسف عظةً لنا ولا نكون لا سمح الله كمثل من يركب الفلك وتهب عليه العاصفة فيستغيثُ بالله سبحانه، وفي الحال الرخاء لا يذكره.
بعدها يقول القرآن “ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ” أي أن القرآن لا يأتي بكل أنباء الغيب وإنما يأتي بما فيه فائدةٌ ونصيحة، إلى أن يقول “حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ” أي أنهُ إذا رأيت كل الطرق مسدودة والأمور غير مُيسرة فلا تيأس، اعلم أن هناك ربٌ ينظر إليك وهو قادرٌ على تغيير الأمور وعلى أن يقول للشيء كُن فيكون.
ثم يقول تعالى “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” يتجلى هنا الجانب الوعظي في القرآن الكريم.
أحيانا يأتي القرآن بجانبٍ علمي، وأحيانا يأتي بمناقشاتٍ عقائدية، ولكنه لا يغفلُ عن الجانب الوعظي، فإن الموعظةَ هي التي ترقُ بها القلوب، وهي التي تهدف لها القصة.
فالموعظة نحتاج إليها، “هلك من ليس له حكيم يُرشده” فيجب أن لا ننفر منها، الله سبحانه هو أول من يُمارس الموعظة “يَعِظُكُم بِهِ” وهذا عملُ الله. القرآن نفسه وُصف بأنه “جاءكم في هذه موعظة” عن طريق النبي (ص).