٢/ أحيانًا يكون التفسير الروائي ناظر إلى أسباب النزول وبعض الآيات كما في قول الله عز وجل ( يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم )٥
هل يعني هذا أنّ المخالطة مع اليتامى كانت حرام ؟؟ هنا يأتي سبب النزول ويوضّحها والتفسير الروائي هو من يوضّح سبب النزول .
عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال لما نزلت آيات التهديد في قضية أكل أموال اليتامى : ( إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنّما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا ) ٦ ، خاف البعض من الاختلاط باليتامى و اعتبر أنّ دخول بيوتهم والأكل والشرب من بيوتهم ربّما يدخله نار جهنم ، فتركوا مخالطة اليتامى ، و شقّ عليهم ذلك ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأنزل الله تعالى قوله ( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ) ٧ ، ووضّحت أنّ الولي إن كان نيته الإصلاح وممارسة المعروف فلا بأس بمخالطة اليتامى والأخذ منهم والتعامل معهم.
٣/ بعض التفاسير الروائية والروايات فيها جمع بين آيات ظاهرها يكمّل بعضها بعضًا أو يخالف بعضها بعضًا ، فمن المكمل هذه الآية المشهورة في قضية أنّ أقل الحمل ستة أشهر وأنّ مولانا أمير المؤمنين سلام الله عليه استفاد من آية ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا ) ٨ ومن قوله ( و الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ) ٩ حيث أستفيد منها بإنّ مدة الرضاع إلى حين الفصال أربعة وعشرين شهرًا ، فتبقى ستة أشهر وهي مدة الحمل التي أقرّها أمير المؤمنين عليه السلام ، وإن كان البعض ينسبها إلى غيره ، وقد ثبتت هذه المسألة علميًا فيما بعد.
٤/ أيضًا يستفاد من الروايات في حلّ التخالف الظاهري بين الآيات ، ومثال ذلك عندما جاء سأل ابن أبي العوجاء هشام بن الحكم فقال له: أليس الله حكيمًا؟ قال: بلى وهو أحكم الحاكمين، قال: فأخبرني عن قوله عز وجل: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة )١٠ أليس هذا فرض؟ قال: بلى، قال: فأخبرني عن قوله عز وجل: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كلّ الميل (١١ ، أيّ حكيمٍ يتكلم بهذا ؟،، فلم يكن عنده جواب فرحل إلى المدينة إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فقال:
يا هشام في غير وقت حج ولا عمرة؟ قال: نعم جعلت فداك لأمرٍ أهمّني إنّ ابن أبي العوجاء سألني عن مسألة لم يكن عندي فيها شئ قال: وما هي؟ قال: فأخبره بالقصة فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): أما قوله عز وجل: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) يعني في النفقة وأما قوله: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) يعني في المودة، قال: فلما قدم عليه هشام بهذا الجواب وأخبره قال: والله ما هذا من عندك )١٢
٥/ أحيانا تطبّق الرواية مفهوم من المفاهيم الواردة في آية من الآيات على موضوع اجتماعي وأخلاقي مثل ( قضية الغضب ) ، البعض يقول أنا أعاني كثيرُا من حالة الغضب وأتعرّض لها كثيرًا مع أبنائي فماذا أفعل ؟
هناك رواية عن الأصبغ بن نباتة قال سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول { إنّ أحدكم ليغضب فيما يرضى حتى يدخل به النار }
الغضب أحيانا يؤدي بالإنسان إلى نار جهنم لأنه قد يؤدي إلى الظلم وبالتالي عدم عفو الطرف الآخر ، مما يحمل عليه فيظل يطالبه بحقه يوم القيامة وإن لم يعف عنه ربما سيدخل النار بسبب هذا الظلم ، الذي سببه الغضب ، فما الحل ؟ يجيبنا على ذلك أمير المؤمنين في ذيل الرواية فيقول ( فأيّما رجلٍ منكم غضب على ذي رحمه فليدن منه، فإنّ الرحم إذا مسّتها الرحم استقرت )١٣
ادن منه بمعنى ضع يدك على رحمك حتى يهدأ ويذهب غضبه ، وهذا ليس فقط مع الأرحام بل مع حتى الأعداء ، حيث يروى في التاريخ أنّ الإمام الصادق عليه السلام وقد غضب عليه المنصور وتهدّده بالفتل واستحضره إلى مجلسه في الليل وهو يقول والله لأقتلنه وسلّ السيف ، وعندما وصل الإمام الصادق جلس الى جانبه ووضع يده على يده عند ذلك هدأ و برد غضبه ، حتى تعجّب المنصور قال فيما معناه أنا كنت حانق عليك ، فاستشهد له بكلام شبيه بكلام أمير المؤمنين فإنّ الرحم إذا مسّها الرحم استقرت وأنّها متعلقة بالعرش فتنادي ( اللّهم صلْ من وصلني واقطعْ من قطعني )١٤ وذلك قول الله تعالى في كتابه ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام )١٥ ، نلاحظ هنا أنّه قرن تقوى الله بمراعاة الأرحام ومراعاة حقوقهم ، وهو على ذلك رقيب كما قال في ذيل الآية ( إنّ الله كان عليكم رقيبًا ) ١٥
---------------------------------------
١ سورة الفرقان آية ٣٣
٢ سورة القمر آية ٢٢
٣ سورة النحل آية ٩٠
٤ سورة النساء آية ١١
٥ سورة البقرة آية٢٢٠
٦ سورة النساء آية ١٠
٧ سورة البقرة آية ٢٢٠
٨ سورة الأحقاف آية ١٥
٩ سورة البقرة آية ٢٣٣
١٠ سورة النساء آية ٣
١١ سورة النساء آية ١٢٩
١٢ تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ج٧ ص ٤٢٠
١٣ بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج٧٠ ص٢٦٥
١٤ بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج٧٠ ص٢٦٥
١٥ سورة النساء آية ١
١٦ سورة النساء آية ١