١٤ التدبر في القرآن

١٤ التدبر في القرآن
00:00 --:--

 

المثال الثاني: نأتي للآية الثانية “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا”. قد نستنتج من الآية أولًا أنَّ الإنسان مُطالبٌ بأن ينظُر في معاجِزِ الأنبياء، وأن يُفتشَ عن العقائد لأنهُ طُلِبَ منهُ التدبُر في أمرٍ هو إعجازي.

لو كان هذا القرآن من غير الله لَكَانَ فِيهِ اختلافٌ كثير، لكن لأنهُ ليسَ فيهِ اختلاف فهو من عندِ الله. هذه هي النتيجة التي نصلُ لها من خلالِ التأمُل في المعجزة، فإذن التأمُل والتفكُر في معاجز الأنبياء من الأمور المطلوبة من الإنسان.

الُمتدبِر أيضا بإمكانه أن يستنتج من هذه الآية أن غَيرَ اللهِ هو قَرِينٌ للنقص والعجز والاختلاف في أفكارِهِ ورُؤَاه إلا إذا كان ذلك هو الله أو كان من قُوةِ الله، كما هو الحال في النبي المعصوم والإمام المعصوم حيث لا يتناقض كلامُه ولا يتخالف. من كان دُونَ الله، ومن لم يُمدِدهُ اللهُ بقوتِه فهو مُؤَهَلٌ للاختلاف والاضطراب في كلماته وأفكاره، أما الله فهو بريٌء من ذلك. وهكذا كلما استطاعَ الإنسان أن يتأمل ويتدبر استطاع أن يسكشفَ أمُورًا جديدة، مع أن هذا الاستكشاف ليس ظاهرًا في الآيات وإنما هو موجودٌ في دُبُرِها، لذلك فالتدبُر هو أمرٌ مطلوب من الله في كلماتِه وأياتِه الُمنزلة.

 

التدبُر والتفسير بالرأي:

بعضُ العلماء خالفُوا التدبُر وقالوا أن التدبُر ليس صحيحًا، وأنه لا ينبغي أن يكون لأنهُ ينتهي إلى التفسيرِ بالرأي. إذا بَدَأَ الإنسان بمطالعةِ القرآنِ الكريم وباستنتاجِ أفكارٍ من رأسِه فإن التفسير حينها يُعَدُ تفسيرًا بالرأي. وهذا مذمومٌ “من فَسَّرَ القرآنَ بِرأيهِ فقد هَلَك”. وهذا غيرُ صحيح، هناك فرقٌ بين التدبُر في القرآن الكريم وبين التفسيرِ بالرأي.

التدبُر ممدوحٌ ومطلوب كما في الآيتين السابقتين، بينما التفسير بالرأي منهيٌ عنه. الفرقُ بينهُما نعرِفُه من خلال المثال التالي: لو علمتَ أنَّ المطر سينزل، وصنعت قنواتٍ خاصة لهذا المطر تصل للمكان الذي تريده لمنزلك، حين يهطُلُ المطر من السماء فإنهُ سيجتمع في هذه القنوات ويصلُ لبيتِك دونَ سائِر الأماكن. في حالةٍ أخرى أنت تُلاحظ مكان نزولِ المطر فتذهب وتزرع في هذه المنطقة التي ينزلُ المطرُ فيها.

الحالة الأولى أنت أعدَدتَ قنواتِ المطر وسيَّرتَ المطر إلى المكانِ الذي عينتَهُ أنتَ له، بينما في الحالة الثانية قُمتَ بالزراعة في المكان الذي ينزِلُ فيه المطر.

 

التفسير بالرأي هو الحالةُ الأُولى، المُفسّر من أولِ الأمر قامَ بتجهيزِ قنواتٍ واتجاهاتٍ مُعينة في عقله، ثم قام بتعبئةِ الآيات المباركة في هذه القنوات وعبث بها بمِزاجِه، وهذا خطأ. أما التدبُر فيعني أن الإنسان يسيرُ مع القرآن ويتبعه ويهتدي بٍهُداه.

 أذكُر هنا - ولَعَلّ هذا كان قبل ٤٠ سنة - كُنا في النجف الأشرف أيامَ حُكمِ البعثيين، وكان في ذلك الوقت مكتوبٌ في بوابة النجف على جدارٍ كبير هذه الآية “فَهَٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ”. هذه الآية القرآنية المقصودُ منها يومُ القِيامة، ولكنها كانت موضوعةً بقصدِ أن هذه أيامُ البعثيين، وأنه هذه الأيام مذكورةٌ في القرآنِ الكريم، هذا يُعدُ من التفسيرِ بالرأي.

وهكذا عندما يقولُ الاشتراكيون مثلًا بأن المقصودَ من هذه الآية المباركة “وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ” أن هذا مبدأ اشتراكي مُحارِبٌ للرأس مالية، هنا هذا المُفسِر كان عندهُ قناة مُفصلة ومُجهزة قامَ بوضعِ الآيةِ فيها.

 كيفيةُ التَدَبُر:

بعدما تعرّفنا على الفرق بين التدبُر والتفسير بالرأي، فإنهُ من المهم معرفةُ كيفيةِ التدبُر.

أولًا إخلاصُ النيةِ لله عز وجل بأنه إذا هدانا سبحانه لشيءٍ ألا نُحَكِمَ فيهِ آراءَنا، وألا نأخُذَ بعضَ الكتابِ ونَترُكَ البعض الأخر. ينبغي للإنسان أن يُخلِصَ نيتَهُ لله سبحانه أنهٌ عندما يهديه الله إلى أمرٍ أو فكرةٍ أو مفهوم أن يُتابِعَه سواءً كانَ معهُ أو ضِده، عليهِ أم معه.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة