في ذيل المسألة التي يذكرها السيد اليزدي-صاحب العروة الوثقى-في موضوع القراءة في الجزء السادس من مهذب الأحكام هناك المسألة هكذا (أصل المسألة لصاحب العروة السيد اليزدي يقول فيها "لا يجب أن يعرف-يعني المصلي-مخارج الحروف على طبق ما ذكره علماء التجويد بل يكفي إخراجها وإن لم يلتفت إليها")، ثم بعد ذلك في مواضع متفرقة يمكن تلمس بعض الأدلة التي أقامها على هذه النظرية المخالفة لتشديد الاهتمام بعلم التجويد.
يقول الآن أنت تصلي الضاد لها مخرج عند العرب. لاحظ عندما تنطق حرف معين مبدأه من مكان. عين تختلف عن خاء، وهكذا سائر الحروف كل حرف له مخرج معين. أنا الإنسان العربي لما أجي أصلي هل أحتاج أن أعرف مخارج الحروف؟ يقول لا، لا يلزم. أنت الآن يمكن تفكر في هالموضوع لأول مرة، أنت السامع. أنه ما هو هذا مخرج؟ ومن أين يخرج؟ أنا طول هذه المدة أصلي وأقرأ الفاتحة و السورة قراءة صحيحة من دون أن أفكر أصلاً أن مخرج هذا الحرف يختلف عن مخرج ذلك الحرف، أو أنه لا يختلف. لكنني أقرأ قراءة صحيحة. يقول: ما دمت تقرأ قراءة صحيحة فلا يجب عليك ولا يلزم أن تعرف مخارج الحروف. وهذا بالنسبة إلى غالبية العرب أمر على السليقة يجري. بل أحياناً لو أردت أن تفكر لا تستطيع أن تتكلم أربع كلمات متسلسلة. فكر مثلاً أنه مخرج الخاء أين والراء على طرف اللسان والجيم من مكان آخر والنون. لا تستطيع أن تجمع جملة واحدة. ولكن على السليقة، أنت تتحدث. والحروف تخرج من مخارجها الطبيعية.
هناك يقول السيد المرحوم السيد السبزواري أننا لا نجد في أخبار وآثار المعصومين أي إشارة إلى علم التجويد مع أنه كان من المسائل الإبتلائية. بل كان بعض الأئمة يعيشون في وسط أعجمي كما هو حال الإمام الرضا مثلاً. تحدث الأئمة في كثير من القضايا في أدق المسائل في مستحبات المستحبات لكن هذا الموضوع مع أنه مسألة ابتلائية-الناس يقرءون القرآن كل يوم: يقرءون القرآن في الصلاة وفي غير الصلاة-ولا نجد أي خبر أو أي أثر من الأئمة في هذا الجانب. فلو كان هذا مهماً لوجدنا بعض الأخبار أو الآثار أنه التجويد هكذا، الحرف الفلاني هكذا، المخرج الفلاني هكذا، أقرأ بهذه الصورة، لا تقرأ بتلك الصورة، التنوين هكذا، الإدغام هكذا، الإظهار هكذا، الإخفاء هكذا، القلقلة هكذا. لا نجد في أيٍ من هذا خبرعن المعصومين -عليهم السلام.
وإنما هو كما ذكر الفيض الكاشاني في مقدمات التفسير -الشيخ محسن الفيض الكاشاني- (من المحدثين الكبار عنده كتاب الوافي في الحديث مفصل جداً مثل الكافي وإن كان في درجة أدنى منه عند العلماء وعنده كتاب تفسير الصافي مفصل جداً وعنده تفسر الأصفى مختصر ومركز، وهو من العلماء الكبار مسلكه محسوب على المسلك الأخباري في الشيعة) حيث يقول في مقدمات التفسير أن علم التجويد نشأ عند مدرسة الخلفاء. وذلك أن الحكام و سلاطين الوقت لما رأوا علوم القرآن الحقيقية عند أهل البيت -عليهم السلام- وأرادوا صرف وجوه الناس وتوجيههم إلى علماء السلاطين. لذلك صار تأكيد على هذا العلم و تركيز عليه. فمنشأ هذا العلم ليس البيئة الشيعية الإمامية. الأئمة لم يتحدثوا عنه. ليس هناك أخبار في هذا الاتجاه. غرضه هو صرف الناس عن علوم القرآن الحقيقية الموجودة عند الأئمة وتوجيههم بعلم موازي إلى هذا العلم الذي كان عند علماء السلاطين والمنسجمين مع الخلفاء في ذلك الوقت. فإذن منشأه ليس منشأً إمامياً وغايته ليست غاية حسنة أو نبيلة. هذا ينقل عن الفيض الكاشاني.