لماذا كان قرآنا عربيا ؟ ٥

لماذا كان قرآنا عربيا ؟ ٥
00:00 --:--

 جوابُ السؤال الثاني المتعلق بأن الإعجاز في القرآن الكريم هو إعجازٌ في اللغةِ العربية، أما الفرس والإنجليز فهو ليس إعجازًا لهم. الجواب أنهُ إذا كان القرآن الكريم تحدى جبابرة اللغة العربية وعُتَاتَها أن يأتوا بسورةٍ من مثله ولم يستطيعوا ذلك، وهي أغنى وأوسع وأقوى اللغات، فمن بابٍ أولى أن يكون مُعجِزًا في اللغات الضعيفة والهزيلة والقليلة. الآن لو تفوق مثلا فريقٌ رياضي على أقوى فريقٍ رياضي في العالم، فالفُرق الضعيفة يكون التغلبُ عليها بسيطًا بالنسبة لهذا الفريق الفائز. ونفس الكلام ينطبق على اللغات، اللغة العربية بما ذكرنا لها من ميزات هي أقوى وأوسع اللغات وأغناها، جبابرةُ هذه اللغة لم يستطيعوا مُجاراة القرآن حتى في سورةٍ واحدة، فإذا كان القرآن تغلب على أقوى اللغات وأقوى جبابرتها فبالنسبة إلى سائر اللغات سيكونُ الأمر سهلاً.

هذا بالإضافة إلى أن الإعجاز اللغوي والمجازي هو جزءٌ من إعجاز القرآن الكريم، وإن شاء الله نتحدث عن هذا الجانب في ليالٍ قادمة.

 القرآن الكريم إلى اليوم له فضلٌ على اللغة العربية في أنها حفِظها، وإلا كان من المحتمل أن تندثر اللغة العربية ككثيرٍ من اللغات التي انتهت، لكن القرآن الكريم ومن قامُوا عليه وهم أفصحُ الناس وأبلغهم، وهذا كان ملفتٌ للنظر أن نبي الله (ص) وأهل بيته الطاهرين (ع) كان لهم ميزةٌ أنهم كانوا أفصَحَ الناسِ في زمانِهم.

رسولُ الله (ص) يقول “أنا أفصحُ من نَطَقَ بالضاد بيد أني من قُريش” وفي موضعٍ آخر يقول “أُوتِيتُ جَوامِعَ الكَلِم” كلماتٌ قصيرة وقليلة لكن تحوي مجاميعَ عظيمة من المعاني. هذا رسول الله (ص) وأما أمير المؤمنين (ع) فيكيفك قولُ مُحارِبِه فيه وهو معاوية “ما سَنَّ الفصاحةَ لِقريشٍ غيرُه” يقولون أنه عندما خرج محجٍُ ابنُ أبي محجٍ الثقفي وقد كان عندهُ بعضُ الانحرافات في الكوفة، فأمير المؤمنين (ع) عاقبهُ بما يستحِق، فغضب وانسل في الليل إلى الشام إلى معاوية وقال له “جِئتُكَ من عندِ أَبخَلِ الناس وأعيى الناس” أعيى يعني أعجزهم عن الكلام فقال له معاوية “من تعني؟” قال “أعني ابن أبي طالب” فقال له معاوية “كيف تقولُ أنهُ أبخلُ الناس؟ واللهِ لو كانَ لهُ بيتان، بيتُ تِبرٍ - ذهب - وبيتُ تِبن” لأنفق تِبرَه قبل تبنه - أي أنهُ ليس متعلقًا بالمال - وأما قولُك أنه أعيى الناس كيف تقولُ ذلك؟! واللهِ ما سنَّ الفصاحةَ لقريشٍ غيرُه”.

 عليُ ابنُ أبي طالب مرَّ على جماعةٍ يتحدثون في مسجد الكوفة عن أكثرِ الحروفِ ترددًا في كلام العرب وهو الألف والنُقطة، هل تستطيع الكلام بدونها؟ من الصعب جدا ذلك، فإذا بأمير المؤمنين (ع) يقف أمامهم ويخطُبُ خُطبةً كاملةً في مباحثٍ عاليةٍ من التوحيد وبعثة رسول الله (ص) وليس فيها ألِفٌ واحدة، انتهى منها وبدأ في خُطبةٍ على غراراها ومنوالها لا يوجد فيها نقطةٌ واحدة. ولم يكن أي كلام، بل كانت مباحثَ دقيقة مرتبة في مسائل علمية من توحيد الله وبعثة النبي (ص)، لو حاولَ شخصٌ القيامَ بذلك لاضطر للجلوس فترةً في المنزل ومحاولة التصحيح والإعادة والتغيير ولن يستطيع أن يأتي بمثلها أيضا. فهذه فصاحةٌ وبلاغة.

لولا أيضًا أن اللغة العربية فيها هذه المساحة لما كان يمكن هذا الأمر، فالإمام (ع) لم يأتي بلغةٍ وكلماتٍ من القمر، وإنما اللغة العربية فيها هذه الإمكانية والسعة، وعليٌ (ع) أحاط بها. لذلك القرآن الكريم جاء بهذه اللغة.

 أيضا الإمام الحسين (ع) لما بدأ يخطب يوم عاشوراء في كربلاء صاح القائد الأُموي “ويحكم إنهُ ابنُ أبيه، لو وقف عامَّة نهارِه يتكلم لما عَيَّ أو أُحصر” هذا ابن علي ابن ابي طالب لو تكلم من الصباح إلى المساء لما توقف، كالسيل يتدفق، اقطعوا عليه حديثه وابدأوا المعركة، فهؤلاء عليهم السلام كانوا في غاية الفصاحة والبلاغة والإحاطة باللغة.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة