الأئمة والمجتهدون هل هم مشرعون ؟ ٣

الأئمة والمجتهدون هل هم مشرعون ؟ ٣
00:00 --:--

بالطبع كلا إذ أنّهم يستنبطون الأحكام ، ولديهم طرق وروايات ومنهاج للاستنباط يجب أن يسيروا عليه فمن هذه الأمور يستنبطون الأحكام ، وهي ليست تشريعات جديدة وإنما أصولها موجودة وهم يطبقون تلك الأصول على هذه الأمور التفصيلية والصغيرة ، لذلك نعتقد أنّ ما هو شائع في مدرسة الخلفاء من الحديث عن أنّ المفتي موقعٌ عن الله عز وجل هذا كلام خاطئ ، وقد انتشرت هذه الفكرة مؤخرًا لديهم  ، ونحن نعتقد خلافها ، وقد تكوّنت هذه الفكرة في حدود سنة ستمئة وخمسين للهجرة في زمن الشيخ شرف الدين النووي الشافعي الذي يُعد من علمائهم الكبار ولديه كتاب اسمه (المجموع ) وهو كتاب فقهي استدلالي مقارن بين الشافعية وبين بقية المذاهب الأربعة ، وهو كتاب مفصّل ولديه كتاب آخر أسمه (أدب المفتي والمستفتي)  وقد ورد فيه أنّ الفتوى هي توقيعٌ من الله عز وجل والمفتي موقعٌ عن الله ، وبعد حوالي مئة عام أو اقل جاء تلميذ ابن تيمية وهو ابن قيم الجوزية المعروف بابن القيم وهي مدرسة حنبلية موقوفة وكان والده  القيم عليها فسميت القيم الجوزية وابنه ابن القيم وهو من العلماء الكبار لديهم ومن أهم تلامذة ابن تيمية ولديه كتاب اسمه (أعلام الموقعين عن رب العالمين) وفيه أشار إلى أنّ هؤلاء الفقهاء هم موقعّون عن الله وفتاواهم موقّعة من الله ، وحكمهم هو حكم الله تعالى ، ونحن نعتقد بخلاف ذلك حيث أنّ هذه الفتاوى من علماء أهل البيت وإن جلّت مرتبتهم وعلمهم إلا أنّها ليست توقيعًا عن الله عز وجل وإنما هي حكم مستنبط من الأدلة الشرعية قد يطابق الواقع وقد لا يطابق الواقع ،  قد يطابق حكم الله حقيقة وقد لا يطابق حكم الله حقيقة.

 هنا يرد سؤال/ لماذا إذن نتبعه؟
 لأنّه حجة لك وعليك فحينما يأتي يوم القيامة وتسأل / لماذا ارتمست في نهار رمضان متعمدًا؟ فتجيب يا رب أو يا ملائكتي أنت أمرتنا أن نرجع لأهل الذكر وإلى أهل الفقه  المتخصصين في الأحكام وعقلنا أرشدنا  بلزوم رجوع الجاهل إلى العالم وأهل الخبرة وأنا رجعت إلى شخصٍ اعتقد أنه في أعلى درجات المعرفة بالدين والفقاهة كما أمرتني – إذ قال حسب اجتهادي ونظري في الروايات ومعرفتي بالقواعد وبحثي الدقيق واجتهادي توصلت إلى أنّ الارتماس في نهار شهر رمضان كما هو رأي بعض العلماء يجوز –،  وبعض العلماء لديهم رأي أخر فأنا أأخذ برأي مرجعيي وليس حسب أهوائي فهو حجة ، ولأنه لا يوجد طريق آخر فلو كان الامام المعصوم حاضر لذهبت إليه مباشرة وأخذت الحكم هل الارتماس مبطل للصوم أم لا ؟ أنا في زمان لا يكون فيه المعصوم حاضرًا بحيث أستطيع الوصول إليه وسؤاله فأنا سأرجع إلى ما أرجعتني إليه فهو ليس توقيعًا عن الله عز وجل وليس حُكمًا واقعي ، بل هو حكم أنا معذور في اتباعه لأنّي إن لم اتبعه سيكون حجة عليّ يوم القيامة لماذا لم أتبع هذا الحكم وهو طريق وضعه الله لي لمعرفة أحكامه .
إذن ما يذهبون إليه أنه توقيعٌ عن الله هذا أمر ظنيٌ ولكنه ظن معتبر ونحن مأمورون باتباعه ، وهذا ممّا يعظم شأن أهل الدين ولزوم إتباعهم ، و هم ليسوا مُشرعين ولكن إذا جاؤوا من الطريق الصحيح والتخصص المناسب فإنه يجب طاعتهم ، وهذا الباب هو باب خطير ليس لأحد أن يطرقه وهو ليس له بأهل ، وفي هذه الأزمنة نرى بعض النماذج ممّن درس أربع أو خمس سنوات في الحوزة أو كلية الشريعة أو أضاف إلى نفسه حرف الدال في المقدمة أصبح يرى نفسه معبرًا عن الله ولا يُسأل من أين أتيت بهذا الحكم وأين ناقشته؟ كيف تصنع معارضاته؟ يعتبر نفسه أنّ له الحق بأن يفتي ، وهذا من الجرأة على أحكام الله ، فالإنسان عليه أن يوقّر العلم وأن يوقّر أهله وأن ينظر إلى هذه الفئة التي تفني عمرها في استنباط الأحكام الشرعية ،والحمد لله الذي أكرمنا في مذهب أهل البيت عليهم السلام بعددٍ كبير فاضلٍ من المراجع و الفقهاء والعلماء الذين انحنت ظهورهم في تحقيق مطالب الدين وأصول المذهب وروايات أهل البيت عليهم السلام ومن يلتزم برأي هؤلاء يثق ثقةً تامةً أنّ هذا الحكم الشرعي لم يخرج إلا بعد أُن أشبع بحثًا وتحقيقًا وتنقيبًا ، وبعد الاطمئنان إلى أنّه هو المأمور باتباعه العلم والبصيرة ، وهي التي ترفع الإنسان إلى أرفع الدرجات ، إنها البصيرة  في الدين والمعرفة ، والبصيرة في الحياة هي التي تجعل الإنسان محل إشادة حتى من أعدائه.
----------------------------------------------
١ سورة القلم آية ٤
٢ سورة الحشر آية ٧
٣ سورة النساء آية ٨٠
٤ الكافي ج١ ص ٢٦٦
٥شبكة المعارف الاسلامية
٦ الكافي ج١ ص٥٨
٧ سورة ص ٣٩
٨ بصائر الدرجات ص١٦٧
 

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة