الأئمة والمجتهدون هل هم مشرعون ؟ ٣

الأئمة والمجتهدون هل هم مشرعون ؟ ٣
00:00 --:--

هل الأئمة والفقهاء مشرعون في الدين أم لا؟

تفريغ نصي الفاضلة أم فاطمة
تصحیح الفاضلة أفراح البراهيم


في رواية عن سيدنا ومولانا أبي جعفر محمد بن علي الباقر صلوات الله وسلامه عليه قال : ( إنَّ الله عز وجل أدّب نبيه  فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب قال : " وإنك لعلى خُلق عظيم )١ ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده،  فقال: ( ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)٢ وإنّ رسول الله كان مسدّدًا موفقًا مؤيدًا بروح القدس ، لا يزل ولا يخطئ في شيء مما يسوس به الخلق ... وقال عز وجل:( من يطع الرسول فقد أطاع الله )٣ ثم إنّ نبي الله فوّض إلى علي و أئمته فسلمتم وجحد الناس والله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا وأن تصمتوا إذا صمتنا ونحن فيما بينكم وبين الله عز وجل ما جعل الله خيرًا في خلاف أمرنا )٤ صدق سيدنا ومولانا محمد بن علي الباقر سلام الله عليه. 
سبق أن ذكرنا أنّ المشرع الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى وأنّ أي شخص يتقدّم في هذا الميدان من غير إذن الله عز وجل يكون متعاطيا ما ليس له ، ويكون مفتريًا على الله عز وجل في دينه ثم ذكرنا بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وآله هناك قولٌ واسعٌ من حيث القائلين به في أنّه صلوات الله عليه له حق التشريع الجزئي المحدود، وقد شبهه بعض مراجع الدين كما في تقريراته وبحثه، شبّهه بما هو عند المعاصرين أنّ هناك في دول العالم شيئين أحدهما مثلًا قانون أساسي للبلد يضع الأنظمة وهناك شيء آخر بمتمّم القانون ومفصّله ، بعض العلماء شبّه تشريعات رسول الله بما هو متمم القانون الأساسي ومفصّل الفصول القانونية لا أنّ النبي مثلا يأتي فيشرع شيء مبتكرًا ، وإنما شيء أصله موجود كالصلاة فيشرع في هذه الصلاة كيفيات معينة أو أحكام خاصة ، وهذا الرأي يستدل أصحابه بعدد من الروايات المعتبرة ويقولون أنّ ذلك من الله تعالى من أجل إظهار منزلة رسول الله وعظمة شأنه ، ومن جهة أخرى اختبار طاعة الخلق لرسول الله في هذه التشريعات وتمّ الحديث في ليلةٍ مضت عن هذا الموضوع عن هذا الرأي وهناك رأي آخر في هذا الموضوع يقول إنّ النبي صلى الله عليه وآله في كل حالاته هو مبلغٌ و ورسولٌ وناقلٌ وليس من شأنه أن يشرّع وأنّ ما صنعه في الصلاة والزكاة في سائر الأمور هو تبليغٌ عن الله وهو نقلٌ عن الله عز وجل إلى الناس.
 حديثنا سيكون في المرحلة الثالثة وهو هل للأئمة المعصومين عليهم السلام حق التشريع في الدين أو لا ؟
إن قال أحدهم أنّ النبي لا يحقّ له ذلك فمن باب أولى أن يقول أنّ المعصومين ليس لهم الحق فالذي يقول أنّ النبي ليس مشرعًا ولا بتشريعات جزئية ولا بأشياء تفصيلية بل كان مبلغًا لا مشرعًا ولا مبتكرًا فمن الطبيعي أنّ هذا الأنسان يقول أنّ المعصومين ليس لهم هذا الحق . وهناك من  القائلين بإنّ له حق التشريع بإذن الله عز وجل الله حيث أعطاه وأذن له ، وأكمل خُلقهُ وأكمل علمهُ ومعرفته ، وأوصله إلى أعلى درجةٍ يمكن أن يصل إليها بشر ثم أذن له بأن يمارس هذا التشريع المحدود في الأمور التفصيلية، فإن قبلنا هذا الكلام يتبادر هنا سؤال:
 هل كان هذا الأمر أيضًا للمعصومين أم لم يكن؟ ثم هل كان للفقهاء والمجتهدين هذه الصلاحية ؟ هل هم مُشرِعون أم لا ؟
بالنسبة للمعصومين عليهم السلام هناك قولان وتوجهان:

 القول الأول
 ما ثبت للنبي المصطفى محمد صلى الله عليه وآله من أمور فهو ثابت للأئمة المعصومين إلا ما استُثني، فعليٌ عليه السلام  هو نفس رسول الله ، وكذلك المعصومين أيضًا كالنبي ،ورواياتهم في هذا كثيرة ( ما ثبت لرسول الله ثبت لنا) إلا بعض الأمور المُستثنيات مثل النبوة قال تعالى : (إلا أنّه لا نبي بعدي )٥ مثل نزول الوحي بنحو الذي كان ينزل على رسول الله فهذا خاص برسول الله ، فهناك مجموعة من الأمور هي خصائص لرسول الله صلى الله عليه وآله وهذه لا يشترك فيها معه  غيره حتى الأئمة عليهم السلام، ما عدا هذه الأمور ما ثبت لرسول الله يثبت للمعصومين مثل :
١/  إمامة الخلق فهي ثابتة لهم كما ثبتت له.
٢/ العصمة ثابتة لهم كما ثبتت لرسول الله .
 ٣/ وجوب طاعة الناس لهم ثابتة لهم كما ثبت ذلك لرسول الله .
٤/ حُجية أقوالهم ولزوم العمل بأقوالهم ثابتةٌ على الناس كما هي ثابتةٌ لرسول الله.
 ٥/الولاية ثابتةٌ لهم كما هي ثابتةٌ لرسول الله .
 أصحاب هذا الرأي يقولون بما أنّه ثبت لرسول الله حق التشريع فإذن يثبت للمعصومين نفس هذا الحق ، وربما أيضًا يستفيد هؤلاء من بعض ما ورد في الروايات التي تفيد التفويض إليهم كالرواية الواردة عن الإمام الباقر عليه السلام قال : ( ثم إنّ النبي فوّض إلى عليٍ وائتمنه) هناك تفويض في الرواية لكنها لم توضّح هل هو تفويض في أمر التشريع أو في أمور أخرى ؟، لكنّ أصحاب هذا الرأي يقولون: بما أنّ النبي قد فوّض إلى عليٌ فإذن حتى التشريع يكون من حقه .
ماهو التفويض؟
 التفويض هو الإيمان بإنّ الله قد فوّض إلى النبي أو فوّض إلى المعصومين ، وفيه بحث مفصل وفيه كلام كثير ذكره العلامة المجلسي رحمة الله عليه في البحار وقال : إنّ التفويض يُتَصور على تسعة وجوه ، بعض هذه الوجوه كفر مثلًا: قد يعتقد شخص  أنّ الله سبحانه وتعالى بعد أن خلق الخلق فوّض كل شيء إلى النبي والأئمة وتركهم ، هذا القول يعتبر من الكفر الذي هو خلاف توحيد الله عز وجل ، ونحن الشيعة الإمامية لا نعتقد أنّ الله سبحانه وتعالى فوّض الخلق بهذا النحو إلى أي أحدٍ، لأنّ  الله هو الخالق الحي القيوم المتصرّف الأمر الناهي ،وهناك أنحاء أخرى من التفويض مقبولة كما ذكرنا في محاضرة سابقة بالنسبة لرسول الله وهي أن يفوّض إليه أمر التشريع المحدود وبين هذه المراحل تتعدّد – تحتاج لحديث مفصل خاص- ، إذن أصحاب هذا الرأي يقولون كلّ ما ثبت لرسول الله ثبت للمعصومين وما ثبت للنبي من حق التشريع فهو إذن ثابت للمعصومين عليهم السلام.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة