وفي هذا العصر الحديث انتهى البشر إلى توجهين: ١/ التوجّه الشيوعي الاشتراكي بتفرعاته الاقتصادية وغيرها ٢/ التوجّه الرأسمالي وكلا التوجهين أوقعا الإنسان في مشاكل ومتاعب ، وسبّبا له الإرهاق ، ومع أنهم وظّفوا العقول وحاولوا جهدهم ، إلا أن من يريد أن يصنع تشريعًا لا بدّ أن يكون عالمًا عارفًا خبيرًا بهذا الإنسان وبأهوائه وبغرائزه وبما يريد وبما لا يريد وبما يصلح دنياه وبما يصلح آخرته ، خبيرًا بحياته الأسرية وبحياته الفردية و بحياته الدنيوية والأخروية حتى يستطيع أن يقرّر قانونًا سليمًا وليس يفقه ذلك سوى الله سبحانه.من هنا نجد موقف التوجّه الديني بما فيها الحوزات والعلماء والفقهاء والمفكرين الإسلاميين كان موقفًا سلبيًا تجاه المجالس التي تدّعي أنّها تشرع للإنسان.والمجالس التشريعية على قسمين:١/ المجالس النيابية التي ترتبط بالأمور التنظيمية للبلد
كمحاسبة وزير الاقتصاد على الخطة الاقتصادية وهذه ليست محذورة إذا سلمت من الفساد وسائر الأعراض الأخرى.٢/ المجالس النيابية التي تقرّر قوانين تفصيلية لإدارة البلد ضمن الإطار العام الذي لا يخالف الدين ، وهذه ليست محذورة أيضًا، ولكن إن كانت مخالفة للشرع فهي محذورة ، كما فعلت بعض المجالس وقرّرت أنّ نظام الإرث لا يتميّز فيه الذكر عن الأنثى بل يتساوى الرجل والمرأة في الميراث ، هذا القرار يخالف نص كتاب الله عز وجل ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين )٩حينما يأتي المجلس ويقرّر قرارًا خلاف الشرع فإنّه لا قيمة لقراره ولا قيمة لهذا المجلس ، وكثير من الأحكام المخالفة صدرت من هذه المجالس فعلى سبيل المثال يأتي أحدهم ليقول أنّ الطلاق بيد من أخذ بالساق ، بينما
نحن لدينا كما ورد في الروايات والأخبار وما أشار إليه القرآن الكريم أنّ الطلاق بيد الرجل ، ولا ينسب الطلاق إلى المرأة ، بينما يأتي برلمان مسلم ويعطي الزوجة الحق في ذلك ولها أن تطلّق الزوج ، وهذه من الأمور المخالفة التي تجعل الشرع يقف موقفًا سلبيًا تجاه هذه المجالس التشريعية التي عملت على استفزاز المؤمنين في أحكامهم تاركين مراقبة أداء الحكومات ومصارف الميزانية وإدارة الدولة ومتفرغين للفتوى والتدخّل في الأمور الأسرية كالطلاق والحضانة والميراث وجعلها في إطار مخالف لأحكام الله.وعندما ندقّق النظر في هذه المجالس نجد أنّ الكثير منها ما هو مستنسخ من الخارج ، يقولون أنّ أقدم مجلس برلماني في البلاد العربية والمسلمة كان قبل مئة وخمسين سنة في مصر وغالبًا كان مستوردًا من الخارج من أوروبا ‘
إذ أنّ أوروبا لم تكن لديها شريعة دينية حاكمة فقد عزلوا المسيحية واليهودية و جعلوا لهم نظامًا علمانيًا والنظام العلماني يحتاج إلى قوانين فجمعوا الناس ووضعوا القوانين حسب اجتهادهم.بينما نجن نمتلك الشريعة المتكاملة والمفصلة الموجودة بين أيدينا كمسلمين فما الحاجة إلى استيراد شرائع وضعية تتعدّى حدود الله وأحكامه؟في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام عندما سمع عن أحد الفقهاء أنه أفتى على خلاف القوانين الإلهية قال الإمام الصادق عليه السلام ( من مثل هذه الفتوى تمنع السماء قطرها والأرض بركاتها )١٠يعني الله سبحانه وتعالى يمنع خيره يمنع بركته عن الناس على أثر تعدّي هؤلاء الناس حدودهم إلى حدود الله إنّ الله قد جعل لكل شيءٍ حدًا وجعل على من تعدّى ذلك الحد حدًا "حدود الله فلا تقربوها "١١ ، فلا
تتعدّوا عليها ولا تحاولوا اقتحامها، فما هو حلال هو حلال فلا تجعله حرامًا ، وما هو حرام لا تجعله جائز.وهذا بعض ما أشار مولانا الإمام الحسين عليه السلام وهو الذي جعله ينهض في وجه تلك الزمرة الطاغية من بني أمية التي جاءت وأظهرت تحليل الحرام وتحريم الحلال ، أحدهم أبو الدرداء يقول للخليفة الأموي أراك تلبس الحرير وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ينهى عنه وأنت خليفة المسلمين والذي تصعد على منبرًا باسم رسول الله كيف تلبسه والنبي قد نهى عنه قال أما أنا فلا أرى به بأسًا وإن قال النبي إنّه حرام فأنا لا أرى به مشكلة.