٢- ماذا شرع الشارع الحكيم؟
من ضمن العناصر المشتركة بين الديانات المختلفة هو ما شرعه الشارع الحكيم ، فالديانات في أصولها العامة واحدة لكنها تختلف في تفاصيلها ، وهذا ما تتحدّث عنه الآية الكريمة، وأساس العقائد الدينية بالنسبة لجميع الديانات هو التوحيد ، والتوحيد له تجليات متعدّدة ولكي يعترف الانسان بوحدانية ربه لابدّ له من أن يفكّر في جهات متعدّدة:
- توحيد الخالقية : أن يعتقد أنّ الله هو الخالق للأشياء لا يشترك معه أحد ولا يستعين بأحد ولا يندّه و لا يضاده ولا يقف إلى جانبه أحد في أصل الخلق ( ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين )٣
- توحيد الربوبية :أن يعتقد الإنسان أنّ الله وحده لا شريك له هو ربّه ورب كل شيء وأنّه يعبده ولا يعبد أحدًا سواه ولذلك لا يسمح الله سبحانه وتعالى للإنسان بأدنى اشتراك في هذه حتى بمقدار العجب والرياء لذا يقول لك: لا تشرك معي أحدًا بل اجعل عملك وعبادتك لي لا لأحد ولو بنسبة بسيطة.
- أن يعتقد الإنسان أنّ المشرع للقوانين والأحكام هو الله سبحانه وتعالى وأنّ أي حكمٍ يراد تشريعه لا بدّ أن يكون تحت تشريع الله ومنبعث من أحكام الله وإلا فإنّه مرفوض ، وهذه معركتنا من قديم الزمان إلى اليوم.
هل العقل قادر على التشريع ؟
هناك بعض النظريات في زمننا الحاضر تقول بأنّ زمن الأنبياء قد ولّى فقد أتوا في مرحلة زمنية معينة وعملوا على هداية الناس وأنقذوهم من الظلمات ، أما الآن فتأتي مرحلة العقل ، لأنّ العقل قادر على التشريع ، لنفترض أنّ هناك تشريعات كانت ملائمة إلى أزمنتها و ملائمة لمجتمعاتها ، لكنها الآن في الزمن الحاضر غير مناسبة ، إذن العقل هو من يشرّع ، ولدينا من يقول أنّ هناك عقول مفكّرة وكفاءات من الأطباء والمهندسين والمفكرين يجتمعون في مكان واحد ويستطيعون الخروج بتشريعات وأحكام تناسب الناس ، نحن نقول إن كان ذلك الحكم تحت الإطار الإلهي ومنبعثًا من الأحكام الإلهية ومن البصائر الدينية ، وممّا جاء به القرآن الكريم فلا بأس به ، أما إن كان لا يوازي الحكم الشرعي فلا يعمل به وليس له قيمة ، ولا يستطيع أحدهم أن يفتري على الله ويقول هو من عند الله أو هو حكم الله ، بل هو حكم المجلس التشريعي ، قال تعالى ( أم شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله )٤
إذن قضية التوحيد في التشريع ليست قضية نظرية ولا قضية سابقة إنما هي مستمرة تقود الحالة الإسلامية والدينية الأصيلة المنبعثة من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله صلى الله عليه وآله ومن هدي العترة الطاهرة ومازالت تخوض معركة صريحة مع التشريعات المخالفة للأحكام الدينية سواء كانت من نتاج العقل كما يقولون أو لأنّ العقل أصبح حجة على العباد، لذا له الحق في التشريع، ونحن نقول جعله الله حجة إن كانت العبادة تحت أمر الله عزّ وجل وشرعه ، أما إن صار العقل إلى جانبه فيكون إلهًا آخر ، لأنه صار موازيًا لشرع الله ولأمر الله لذا يصبح معبودًا آخر، إذن لم يجعله حجة على العباد.
لماذا ينبغي أن ينحصر التشريع في الله عز وجل ؟
نحن لا نقبل هذه المجالس وتشريعاتها إذا كانت تتعارض مع أحكام الله ، فعلى سبيل المثال في أحد المجالس التشريعية التي عقدت في أحد البلاد الإسلامية في سنة ستة وتسعين ميلاديًا ولأجل أن يقبل ذلك البلد في الاتحاد الأوروبي البرلمان المجلس صوّت على أن لا يعتبر الزنا عملا جنائيًا وليس ممنوعًا ، ويعتبر اغتصاب إذا كان برغم إرادة أحد الطرفين ، إما إن كان عن تراضٍ فلا مشكلة في الموضوع وإن لم تكن هناك علاقة زوجية.
لماذا ؟ قالوا لأنّ القول بأنه ممنوع يتعارض مع قانون الحرية الشخصية الذي يعتبره الاتحاد الأوربي من أساس النظام الاجتماعي ، فأنتم ياأيتها الدولة المسلمة إن أردتم الانضمام إلى نادي الاتحاد الأوربي وتصبحوا جزءًا منا فلابد أن تصبحوا مثلنا وتأخذون من قيمنا ، فالعلاقات الجنسية تكون بالتراضي خارج مؤسسة الزواج ولا يوجد مشكلة ، وإنّ تسميته بالزنا ووصفه بالحرام ليس مقبولًا لدينا ، إذن هذا التصويت أصبح مقابل التشريع الذي يقول ( ولا تقربوا الزنا إنّ الزنا كان فاحشةً وساء سبيلًا )٥