تحقيق السيرة الحسينة : الخدمة الكبرى ( المقتل)

تحقيق السيرة الحسينة : الخدمة الكبرى ( المقتل)
00:00 --:--

في باب العقائد، في باب الأفكار، الأمر أيضا مهم. فإذا كان هناك تحقيق في المسألة، آنئذ، عندما يأتي شخص، ويقول لي مثلا: أن يزيد بن معاوية بيعته شرعية؛ لأنها جاءت من قبل أبيه، وأبوه رجل صحابي، ويزيد في أيضا. وذلك في فترة التي كانت الأمة خلالها بخير. أذهب أحقق: هل فعلا كانت الأمة بخير؟ أو هي ثلاث سنوات، وفي الأولى: وقعت مذبحة كربلاء، وفي الثانية: صار فيها رمي الكعبة، في قضية عبدالله بن الزبير، في الثالثة: كانت إباحة المدينة، في قضية ثورة المدينة، واقعة الحرى. فكيف يكون هذا إذن خليفة وبيعته شرعية ووضع المسلمين كان فيه بخير؟! فهذا يحتاج - على هذا المستوى في الأفكار - أن يراجع الإنسان هذه القضايا. ففيما يرتبط بمجتمعنا الإمامي، قضية التحقيق في سيرة المعصومين

(ع) تعتبر من أهم القضايا، وفي خصوص قضية كربلاء التي حديثنا عنها الآن والمناسبة تقتضيها. ففي خصوص قضية كربلاء، لا بد من السعي الكافي في تحقيق هذه السيرة، وتجلية ما هو واقع قدر الإمكان. لماذا؟ أولا: لأن هذه سيرة إمام معصوم على مدى خمسة شهور. وهذه الفترة إذا نقلت روايتها بهذه الطريقة تعطي حكما، وإن نقلت بطريقة أخرى، تعطي حكما آخر. فالحادثة بهذا الأسلوب، نقلت، مما فيه، مثلا: بعض القضايا فيها إشعار بالتمثيل، تمثيل بالأعداء، فإذا نقلت هكذا، فكيف يكون تمثيل بالأعداء؟ بينما إذا تنقل بطريقة أخرى خالية من هذا الأمر، ترتفع الكثير من الأسئلة. فأولا: لأنها سيرة إمام معصوم، وهي من أدلة الأحكام الشرعية، فينبغي محاولة التعرف على هذه القضية والحدث كما وقع. لأنه بالتالي دليل. فإذا نقلناه بطريقة

يعطي نتيجة، وبطريقة أخرى، يعطي نتيجة أخرى. هذا واحد. الأمر الثاني: أن الشخصية الحقيقية للإمام (ع) الناصعة لا تتبين إلا من خلال النقل السليم للأحداث. وأن التشويه الذي يحصل إنما يكون على أثر عدم التحقيق في قضايا هذه السيرة. فالقضية المعروفة أن بني أمية لما استشهد الإمام الحسين (ع)، أرادوا أن يقدموا صورة، ليست صورة البطل الشهيد للناس، وإنما صورة شخصية تورطت وحوصرت ثم ظلت تفتش عن مخرج، فلم تحصل عليه. وبدأوا ينشرون هذا: أن الحسين كتب إلى يزيد أنه يسلم يده بيده حتى يرسله إلى أي مكان شاء، حتى لو كان في بعض ثغور الروم. أي اذهب به إلى الحدود مع الدولة الرومانية واجعله مرابطا هناك يدافع عن دولة يزيد! فقد نشروا هذه الفكرة!وهذه الصورة إذا نقلت ونشرت، بالتالي

ذاك الألق الحقيقي للإمام الحسين (ع) ينتهي. فيأتي هنا مولى الرباب زوجة الحسين (ع)، شاهد عيان، فيقول: كنت مع الحسين من ساعة خروجه من المدينة إلى حين شهادته فلا والله ما سمعته يقول ما يقوله هؤلاء الناس من أنه يضع يده في يد يزيد حتى يسيره في ثغر من الثغور. فهذا الكلام كلام كذب. ما له حقيقة. فأنا كنت مرافقا للحسين ساعة بساعة. وهذا أكثر أهمية – مثلا - من حبيب بن مظاهر. فحبيب التقى بالكوفة، فيقال له: ما كنت معه. لكن هذا يقول: أنا من الساعة التي خرج فيها الحسين من المدينة، إلى حين شهادته، وأنا معه. لم أسمعه يقول ما يقوله الناس. وإنما قال: "هَيْهَات مِنَّا الذِّلَة يَأْبَى اللهُ ذَلِكَ لَنَا". فنقل الصورة الحقيقية خاضع وناتج من نتائج

التحقيق والتدقيق في هذه السيرة. ولذلك قام عدد من العلماء والفقهاء بأعمال من هذا النوع. ولهذا ينبغي أن يفكر المؤمنون في دعم هذا التوجه. يعني: أولا: إذا طلع محقق من المحققين، واستخدم أدوات التحقيق العادية، وخرج بنتيجة غير الموجودة عندي وغير الموجودة عند الخطيب، ما لا بد أن لا أقوم بهرج عليه، لماذا؟ لأنه ذهب وجهد محققا وتتبع الروايات. أما إذا كان أريده أن يخرج بنفس النتائج التي أنا سمعتها من قبل ٥٠ سنة! فلم نفعل شيئا. فلا بد أن نوفر بيئة تستقبل نتائج أفكار المحققين، إذا قاموا بتحقيق له أدوات علمية، وكانوا أيضا على مستوى أهلية في هذا الأمر. هذا واحد: أن نوجد بيئة تتقبل نتائج التحقيق، والثاني: أن ندعم حتى بالمال. فإلى الآن، مع الأسف، لا نجد في

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة