تحقيق السيرة الحسينية: الخدمة الكبرى (المقتل)
كتابة الفاضلة أمجاد عبد العالسيكون حول موضوع: التحقيق في سيرة الإمام الحسين (ع)، ولزوم الاهتمام بهذا الجانب، والإنفاق عليه، والتوجه إليه. والنصف الآخر سيكون - بإذن الله - في ذكر وصف مقتل الإمام صلوات الله وسلامه عليه. تتعدد مظاهر الخدمة الحسينية وتتمدد على مساحة كبيرة في المجتمعات الشيعية، بحيث لو أن إنسانا أراد أن يحصي هذه الخدمات والفعاليات وأنماط التعبير عن الولاء والانتماء للحسين، لكان من الأمور الصعبة عليه أن يحصي مثل هذا الأمر. فمن أنحاء الخدمة مثلا: إقامة المجالس الحسينية والمآتم على اختلاف أشكالها ومستوياتها وأصنافها العمرية، وتنويعاتها الجنسية أيضا من رجال ونساء. أيضا في هذا الإطار: مواكب العزاء واللطم بمختلف أصنافها، وأشكالها، ودرجاتها. في هذا الإطار يأتي أيضا: قضايا الإطعام بأشكاله المتنوعة والإسهام بطرقه المختلفة في خدمة الناس.
ويأتي أيضا: الحديث عن قضايا بصرية: كالتمثيل والتشبيه والمسرحيات وإقامة صور مصغرة للواقعة. وبالتالي هناك زيارات أيضا أنحاء التعبير عن الاهتمام بالموضوع الحسيني وإعلان الولاء له، شيء كثير جدا. من تلك القضايا التي لا تأتي إلى النظر بشكل واضح مع أهميتها الكبيرة، هي: قضية التحقيق في السيرة الحسينية، وتوثيق هذه السيرة العطرة. وهو عمل من الأعمال الكبيرة والمهمة التي ينبغي أن يتوجه المجتمع إليها. فمن عنده قدرة علمية عليها، من المناسب أن يدخل فيها، ومن عنده قدرة مالية في هذا الاتجاه، فمن المناسب أن يدعمها، وهكذا. فأصل موضوع التحقيق، أن يكون المجتمع المسلم متوجها إلى التحقيق في المقولات. وهذه مرتبة من المراتب العالية التي لو صعد إليها مجتمعنا المسلم لحُلَّت الكثير من المشاكل الموجودة فيه. إذ أن قسما من المشاكل
راجعة إلى شيوع أوهام، وعدم وجود جهة تحقق في هذه الأوهام المنتشرة. مثال على ذلك: الانفصال الاجتماعي الحاصل الآن بين أتابع مدرسة اهل البيت (ع) وبين أتباع مدرسة الخلافة. فهذا انفصال واضح. نعم، فيه درجات مختلفة، لكن في الإجمال لا يوجد ذلك التمازج، والتواصل، والاعتراف، والتبادل. وواحد من الأسباب التي خلقت هذا الواقع السيء، هو: انتشار عدد من المقولات الباطلة التي أثرت في أبناء الطائفة الأخرى، ففصلتهم نفسيا عن طائفة أهل البيت. فعندما يشاع وهم: أن لدى أتباع أهل البيت قرآن آخر، شيء ثان، غير المصحف الذي عندنا؛ لأنهم يؤمنون - كما يزعم هؤلاء - بتحريف القرآن. أو أنهم حتى في بعض المراتب والمستويات، وفي قسم من المجتمعات، اعتقاد أن حتى خلقتهم مختلفة عن خلقتنا، ففيهم بعض الزيادات وبعض الأشياء.
أو أنهم - على سبيل المثال - في المناسبات الدينية، لا سيما في مناسبة الإمام الحسين (ع)، ترتفع الحواجز الأخلاقية والدينية بين النساء والرجال. فهذه الأوهام لو كانت تبث في مجتمع يعتمد التحقيق في أموره، هل كان ممكن أن تبقى؟ فلا توجد فاصلة بين أتباع مذهب أهل البيت في هذه المنطقة أو تلك، فالمسافة أحيانا بكيلومترات على أصابع اليد الواحدة، لكن المجتمع لم يعتاد أن يحقق في هذه المقولة مع قرب المكان، ومع إمكانية التواصل. ففلان قال، إذن هو كما قال. تحقق من هذا! هل فعلا هناك اختلاف في الخلقة بينهم؟ أين دراستك أنت للعلوم؟ أين دراستك إلى بدن الإنسان؟ أين دراستك إلى كذا؟فإذن، واحد من المشاكل التي تترسخ في بعض المجتمعات، أن هذا المجتمع غير متعود على التحقيق. وأحيانا
حتى في المجتمع التابع لمدرسة أهل البيت، في بعض القضايا، قالوا: عن الجماعة الفلانية كذا وكذا. اذهب حقق، اذهب دقق، اذهب تأمل؛ حتى تصل إلى نتيجة علمية.فوجود التحقيق في المجتمعات المسلمة له أهمية كبرى، وقد نرفع بسبب التحقيق نرفع جانبا من المشاكل الموجودة في هذه المجتمعات؛ لأن الحقيقة تنكشف، والحقيقة إذا انكشفت، فلا مشكلة. وهذا يجعلنا نؤمن أن التحقيق بشكل عام مطلوب. فليست كل مقولة منقولة ينبغي أن تتعقل وأن تصدق، إذ تحتاج أن تظهر عليها علامات الصحة وقرائن القبول. أو أنا أذهب أحقق فيها، أتأمل. وهذا لا بد أن يكون منهج عند الإنسان، فعندما يسمع كلام، يقرأ كلاما، يلاحظ ملاحظة، يتوجه إلى تحقيق ذلك، وإلا أصبح فكره فكرا خرافيا غير علمي. فعندما تأتي إلى باب العقائد، فالأمر أيضا نفسه.