كيف نقضي على الحقد ٣٢

كيف نقضي على الحقد ٣٢
00:00 --:--

فهذه طريقة التعامل بين الإنسان وبين سائر المختلفين معه ينبغي أن تكون طريقة الرأفة والشفقة والرحمة. نعم، فيما إذا ارتبط الأمر بما عبر عنهم القرآن الكريم: بأئمة الكفر. فهؤلاء يعرفون الحقائق، ولكنهم يدوسون عليها بأقدامهم. هو يدري ليس بغافل؛ لهذا الأمر يختلف معه. هذا أمر آخر. بل إذا أراد أن يجتنب جهات الحقد في نفسه، وأن ينظر حتى إلى الجانب الفاضل في عدوه.

فعدوك ليس كتلة فساد، عقيدته مثلا فاسدة، لكن قد يكون على أخلاق، قد يكون على جدية في عمله. أنت ينبغي أن تثني على الجانب الحسن، وأن تنتقد الجانب السيء. وهذا يحتاج من الإنسان إلى سمو أخلاقي في هذا المعنى، كيف أن أعترف لعدوي أو مخالفي بأمر متميز فيه. في الرواية التي ينقلها الشهيد الثاني - رضوان الله تعالى عليه - في بعض مؤلفاته، يقول: مر نبي الله عيسى، على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام، على كلب ميت، جيفته ملقاة، وهي منتفخة ورائحتها مزعجة ونتنة. وكان الحواريون معه - والحواريون ليسوا ناسا عاديين - فكل منهم قبض على أنفه، وقال: "مَا أَنْتَنَ رِيحَهُ!"، فقال لهم النبي عيسى معلما: "بَلْ مَا أَشَدَّ بَيَاضَ أَسْنَانِهِ".

يعني حتى هذا الكلب، الذي هو نجس العين، الجيفة النتنة، يملك جهة إيجابية، انظر إلى تلك الجهة، وحاول أن تقول: أنا أولى بها منه. فلان، مثلا من اليهود، من المسيحيين، من غيرهم، عنده سخاء وكرم. عقيدته باطلة، لكن هذه الخصلة، خصلة حسنة، فتقول: أنا أولى بها منه، لا بد أنا أصبح كريما.

فلان مخلص في عمله، وهو يهودي أو مسيحي، أو من مذاهب أخرى. فلا تقل: لا يفيده هذا في شيء لأن عقيدته فاسدة، لا. بل قل: هذا حسن فيه، وفساد العقيدة شيء خاطئ فيه. أنا أولى منه بالإخلاص في عملي، أنا صاحب العقيدة والإيمان الصحيحين، فلا بد أن أكون أشد إخلاصا. لا تجعل نفسك بعيدا.

آخر الحديث، وهو أيضا تتمة لما سبق، التفريق بين الذات والعمل السيء. فهناك قسم من الناس يخلطون بين أعمال الناس وبين ذواتهم. فإذا أحب يحب ذات الإنسان، وإذا أبغض يبغض ذات الإنسان. عندنا في الروايات: "أَنَّ اللهَ قَدْ يُحِبُّ الْعَبْدَ وَيُبْغِضُ عَمَلَهُ، وَقَدْ يُبْغِضُ الْعَبْدَ وَيُحِبُّ عَمَلَهُ"، وفي هذا معنى أنه: ينبغي التفريق في الجملة بين الذات وبين الأعمال، إلا من استثني، وما استثني - كما قلنا - قبل قليل. لا تبغض بالجملة، ابغض بالمفرق، لا تحب بالجملة، أحبب بالمفرق والمفرد.

زيد من الناس عنده ثلاث صفات جيدة، وعنده خمس صفات سيئة. لا تقل: هذا لا يفيده في شيء، ولا ينتفع منه، لا. بل قل هذا، كما يقول القرآن الكريم: (خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا)، الصفات، رقم١ و٢ و٣، صفات جيدة لديه، فلو تمكنا أن نعينه أن تصبح تلك الصفات الجيدة بدل الثلاث، خمس وست وسبع، فهذا شيء طيب.

وكذلك في جهة المحبة. أنا أحب شخصا هكذا، هو عنيد، هو هكذا، عنيد، وأنا أحبه. ينبغي أن تقول: هذه الصفات غير الحسنة عنده، صفات سيئة. وإن كان محبوبا عندي، لكن هذه الصفات صفات غير محبوبة. لو أستطيع أن أساعده في التخلص منها، شيء جيد. فإذا لا أساعده، لا أقل من أن أتأثر به في مصاحبتي له. وقسم من الناس هكذا، على أثر محبتهم لشخص يتأثرون بأخلاقه السيئة. فلا بد أن أميز أولا: محبتي، أن لا تكون محبة كلف، وثانيا: أن أفرق بين هذه الصفة الحسنة وتلك الأخرى السيئة.

بهذه الأمور وبأمثالها نستطيع أن نواجه صناعة الحقد، وأن نحارب التربية على الحقد، فنصنع مجتمعا بشريا وإنسانيا وإسلاميا متحابا قدر الإمكان، إذا استثنينا من أطلق عليهم القرآن الكريم: أئمة الكفر ومن شابههم. فعامة البشر ينبغي أن يكونوا خاضعين لهذا الإطار.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٤

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة