وبالعكس، زيد من الناس بغيضك لجهة من الجهات. غدا، هو تاب عن تلك الجهة السيئة، أصبح آدميا، طيبا، صار إمام جماعتك أصلا. فماذا تصنع في حالتك ذاك الوقت؟ فينبغي التوازن والاعتدال. فإذا أصبح الإنسان هكذا، يخفف من غلواء الحقد، يكون البغض عنده بمقدار. يحب في الله، ويبغض في الله، بمقدار معقول، بمقدار ما يقتضيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لا بمقدار التلف في الكره، ولا بمقدار الكلف في الحب. هذا أمر ثان.
أمر ثالث، ما يرتبط بعلاقة الإنسان مع المختلفين معه. المختلفون قد يكون مختلفين معك في دين، أنت مسلم وهم مسيحيون، أو وهم يهود. أنت مُوَالٍ لأهل البيت (ع)، بالاصطلاح: شيعي. وهم غير ذلك. قد تختلف مع آخرين بحسب اللغة والثقافة وما شابه ذلك. فهل لا بد في علاقتي، أنا المسلم، مع اليهودي أو المسيحي، أن أحقد عليه "حقد الزرقة" كما يقولون، أم لا؟
المفروض مني العكس في الحالة العادية، ما لم يكونوا من أئمة الكفر، ما لم يكونوا من شخصيات الانحراف المصرة على تحريف الناس، عامة الناس. وأكثر البشر هم غير هؤلاء. فهل لا بد أن أكون حاقدا عليهم، أو لا، أن أكون رؤوفا بهم وأتمنى لهم الخير؟
أنا لأني على دين الإسلام، وأستشعر الراحة فيه، فلا بد أن أتمنى لو أن كل البشر اهتدوا إلى هذا الدين العظيم. لو أن كل البشر أمكن لهم أن يعرفوا سيرة النبي (ص) حتى يعيشوا حياتهم طيبة، ويكونوا في القيامة من أهل الجنة. فهذا شعور ليس هو شعور حقد، هذا شعور شفقة، شعور رحمة، شعور رأفة. مختلف معك مذهبيا، تارة كما قلت: مهرج، ومتعمد، وإلى آخره، وهم الأقل، وتحرِّكهم عادة محركات معينة. وتارة يكون أكثر الناس – كما هو الحال – مختلفين معك مذهبيا لكن ليسوا من هذا الصنف، فهم غافلون عن هذا المذهب العظيم، هم غير واعين بما لأهل البيت من ميزات. فأنت ينبغي أن تستشعر الرحمة لهم والرأفة عليهم والشفقة، وأن تتمنى لهم من الله، وأن تدعو الله لهم، بالهداية إلى هذا المذهب. اللهم اهد فاسق هذه الأمة إلى صلاحه، واهد ضال هذه الأمة إلى هدايتهم، هذه هي الطريقة. وإذا أمكنك أن تبذل مالا من أجل أن تهدي إنسانا إلى هذا المنهج، أو تصرف وقتا، فعليك بفعل هذا معه. وهذا لا ينسجم مع أن تكون حاقدا عليه.
أريت بعضا من هؤلاء الذين يعتمرون الزي الديني، قد يكونوا ضالين أو يكونوا لا، مدفوعين. يأتي شخص من مذهب معين، ويوجه على التلفزيون، فيظهر في القنوات رافعا يده بالدعاء على من؟ على مذهب إسلامي آخر، على عامة الناس: اللهم أرسل عليهم الوباء، اللهم أرسل عليهم السرطان، اللهم جفف الدماء في عروقهم، اللهم كذا كذا كذا. رويدك! هون على نفسك. هذا إذا كان متحمسا فعلا، يُخشى عليه من جلطة على الهواء. أما إذا كانت القضية أنه كلما أثقل العيار زاد الأجر، فهذا الأمر سهل. هذا تمثيل. لكن لا ينسجم هذا مع طبيعة الإنسان المؤمن الذي يحب الخير كما خلقه الله سبحانه وتعالى.
الإنسان، فطرته، كما خلقه الله، محب للخير. فكيف أنت تأتي تدعو الله، والله لا يفعل، الله موظف عندك! الله سبحانه وتعالى لو يستجيب لهؤلاء ما بقي على ظهرها من دابة. الله يأمرك أن تدعو لغيرك بالخير. فإذا - في رأيك - هذا ضال، ادع الله لهدايته. إذا هو قليل العمل، يحرف الحقائق، لكن يقصر في العمل، ادع الله أن يعينه على القيام بواجباته. أما بهذه الطريقة، أن يعتبر الإنسان من يخالفه في المذهب، عدوا، وإذا يمكنه أن يدمره بالدعاء، فلا يقصر، يمكنه أن يدمره بالمسدس فلا يقصر، بالأعمال السياسية فلا يقصر، فماذا هذا! هذا طريقة إنسان مسلم، متق، ورع!