لهذا من الضروري أن تتوجه أنظار المصلحين إلى إيجاد طرق ووسائل لمقاومة صناعة الحقد والتربية على الحقد. لا بد أن نفكر ويفكر المصلحون، والمؤمنون، والهادفون؛ لأنه ثمة مصلحة عند قسم من الناس في أنهم يصنعون الحقد. أنت الإنسان المؤمن، أنت الإنسان الهادف، أنت الإنسان الواعي، لا بد أن تفكر كيف تواجه صناعة الحقد، وتشيع المحبة بدل منه، والتوافق بدل الاحتراب.
هناك تعليم أساسي نلحظه في القرآن الكريم، يصل إلى حد التهذيب الأخلاقي الراقي جدا، كما جاء في كتاب الله عز وجل، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ). هناك أجيال سبقتنا، تقدمت علينا، من الممكن، إذا ننظر إليها في إطار الإسلام، لأنه هنا، قال: (وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)، وليس المراد بالإيمان هنا: المعنى الخاص؛ لأنه عندنا الإيمان بالمعنى الخاص، يعني: التشيع. لكن في القرآن الكريم، ما جاء من مفردات حول الإيمان، والذين آمنوا، ويؤمنون، فهذه كلها تعني الإيمان بالمعنى العام، وهو الذي يساوي الإسلام. فالأجيال التي سبقتنا في الإسلام وتقدمت علينا، أو جوارنا، نحن نستغفر الله لهم، ونطلب من الله لهم المغفرة. وسيأتي فيما بعد تفصيل بين فئتين. نتحدث عنهما، فلا تعجل.
إذن، هذا تعليم أساسي، لو استطعنا أن نعلمه أولا أنفسنا. نختلف مع شخص على فكرة، إذن، فليكن رأينا فيه: ربنا (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا)، نختلف مع شخص في مرجعية، ربنا (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا)، نختلف مع شخص في مذهب، ربنا (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا)، أما ما هي مسؤوليتنا تجاههم؟ يأتي هذا فيما بعد. لكن ينبغي تطهير القلب من الحقد والغل. وأننا ندعو الله أن لا يكون في قلوبنا غل للمؤمنين والمسلمين. هذا أول شيء، لافتة من القرآن الكريم.
هناك شيء آخر، لنفترض أن شخصا من الأشخاص، كان ينبغي أن يُبْغَضَ من الناحية الدينية. فهناك فئات: العاملون بالفسق، بالمنكر، المفروض أن يواجهوا في المدى الاجتماعي بغير الترحيب، إذا كان مواجهتهم هكذا تؤدي إلى ردعهم عن المنكر. فلو أن شخصا من الناس، كان منحرفا، فاسقا، ناشرا للمنكر، عاملا به، وكان إبداء بغضي له، وعدم محبتي له، واكفهرار وجهي أمامه، مؤثرا في ردعه عن المنكر، فينبغي أن أفعل ذلك. بل ينبغي أن أبغض ما هو عليه من العمل السيء، والعمل الطالح. ولا ينبغي أن يكون بين الإنسان وبين فعل المنكر تطبيع. الزنا زنا. لا تقول حرية شخصية. هذا عمل محرم، وليس حرية شخصية. هذا توصيفه من الله عز وجل بأنه فاحشة، فلا معنى لأن تطبع العلاقة معه. الزنا كفعل محرم، ينبغي إبداء الضيق منه، حتى من الفاعل، إذا كان الفاعل يتأثر بهذا الإبداء. فيرى، مثلا، نوعا من الحصار الاجتماعي عليه، فيقلل أو يرتدع عن هذا الأمر.
لكن في نفس الوقت، هذا أيضا ينبغي أن يكون بحساب. الحساب ما هو؟ ما ورد في الحديث عن سيد الأنبياء محمد (ص)، وهو في مصادر مدرسة الخلفاء، "أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا". ونقل هذا في مصادر الإمامية عن أمير المؤمنين (ع)، بأكثر من شكل. مما يعني أن الإمام (ع) تحدث فيه في أكثر من موضع، مر بتفصيل، ومر باختصار.
فمثلا، في نقل، عن الشهيد زيد بن علي بن الحسين، عليه وعلى آبائه السلام - الشهيد زيد ابن الإمام زين العابدين (ع) الذي تنسب إليه الزيدية، وهو شخصية من الشخصيات العظيمة عند أهل البيت – وهو ناقل بواسطة، لا بد أن يكون بواسطة؛ لأنه لم يدرك أمير المؤمنين. عن أمير المؤمنين: "لَا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفًا وَلَا يَكُنْ بُغْضُكَ تَلَفًا، أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا". بعض الناس عندما يحب إنسانا يحبه بكلف. أرأيت الصبي الصغير كيف يتعلق بأمه، فيقولون فيه: كلِف الصبي بحب أمه. أي ما عاد يستغني عنها للحظة واحدة. فأنت في محبتك للأشخاص، لا تكن هكذا. وفي المقابل، لا يكن بغضك تلفا. فتبغض إنسانا، تكرهه، تحقد عليه، إلى حد أن تتلف أعصابك، وتنكد عيشك. فتصبح مشغولا فيه، لا تهنأ بنوم، ولا بجلسة، ولا بطعام، ولا بشراب، إلا أن تنتظر هذا أن يصيبه شيء. هذا تلف، أنت هكذا تتلف ماذا؟ تتلف نفسك. "وَلَا يَكُنْ بُغْضُكَ تَلَفًا، أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا"، باعتدال، " وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا"، لماذا؟ يقول: "عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضُكَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا"، لا تدري، الآن أنت أعطيت هذا الشخص المعين محبة الكلف، كالطفل بالنسبة إلى أمه. فجأة تغيرت المعادلات، المصالح، رأى منك شيئا لا يعجبه، أنت رأيت منه شيئا لا يعجبك، تغيرت العلاقة. أنت الذي متعلق به ذاك التعلق، تعلق الكلف، تؤذي نفسك.