ظواهر مشتركة في حياة الأئمة الجواد والعسكريين
ذكرى شهادة الامام الحسن العسكري عليه السلام
كتابة الأخت الفاضلة ايمان ...
ثمّة ظواهر مشتركة بين الأئمة الأربعة المتأخرين زمانياً(ع)، بدءاً من الإمام محمد الجواد، وعلي الهادي، والحسن العسكري، إلى الإمام الحجة _صلوات الله عليهم أجمعين_ يشتركون في مجموعة من القضايا، فرضتها:
١. أما طبيعة الأنظمة السياسية العباسية الحاكمة.
٢. أو طبيعة تطور الأمة الإسلامية آنذاك.
٣. أو طبيعة الصراع بين الحكم العباسي وبين شيعة أهل البيت(ع).
وسنتعرض إلى بعض هذه الظواهر المشتركة بالتركيز في الحديث عن (الإمام الجواد، والهادي، والعسكري)، ونؤجل الحديث عن الإمام الحجة(عجل الله فرجه) ليُذكر في مناسباته الخاصة، ونخص بالحديث الإمام الحسن العسكري(ع) حيث أن المناسبة مناسبةُ شهادته.
الظواهر المشتركة بين الأئمة الثلاثة:
أول ما يلحظ الباحثون لهذه الفترة الزمنية التي احتضنت هؤلاء الثلاثة من الإئمة المعصومين(ع) يلحظون صغر أعمارهم، فمثلاً استشهد الإمام الجواد(ع) وعمره ٢٥ سنة وهو في ريعان شبابه، والإمام الهادي(ع) الذي يعتبر أطولهم عمراً كان ٤٢ سنة، أو ٤٠ سنة على رأي آخر، أما الإمام الحسن العسكري فاستشهد في عمر ٢٨ سنة، فالجامع المشترك بينهم أن أعمارهم كانت قصيرة، ومن ذلك تُستفاد أمور عدة:
١. أنه يقوّي الاتجاه القائل بأن مفارقة هؤلاء الإئمة للدنيا لم يكن أمراً طبيعياً، وإنما بتعدِّ من جهة معينة، فشخص في عمر ٢٥ سنة مقتضى البقاء لديه أكثر في الوضع الطبيعي ، فصحيح أن الموت يأتي للفرد حتى في عمر سنتين، إلا أن هناك أمور تعجّل في موت بعض الأشخاص، فعندما يموت شخص من أبناء ثمانين سنة، لا يُسأل لماذا مات، فالحالة طبيعية، كأنما استوفى نصيبه من الحياة، وهذه المرحلة تُعتبر نهاية عمره، لكن لو توفي شخص في عمر ٢٥ سنة، يُتسائل لماذا؟ فلا يقال لماذا يُسأل عن موته؟ لأنه في مرحلة شباب، فهذا الأمر يعزز موت هؤلاء الأئمة موتاً غير طبيعياً عن طريق أعدائهم، وللشيعة قولان في هذه القضية:
أ. الرأي الأول: أئمة أهل البيت كلهم ماتوا بين مقتول ومسموم، يستندون لعدة روايات: (ما منا إلا مسموم أو مقتول)، و(ما منا إلا مسموم أو شهيد)، فهذه الروايات فيها واحدة على الأقل صحيحة السند، لذلك يتمسك بهذه الروايات بعض الشيعة.
ب. الرأي الثاني: عبر عنه شيخ الطائفة (الشيخ المفيد) وهو من أعلام الشيعة، يقول: المؤكد عندنا أن أمير المؤمنين، والحسن والحسين، وموسى بن جعفر، ويقوى في النفس علي بن موسى الرضا أنهم ماتوا مقتولين أما بالسم أو السيف، وأما باقي الأئمة فلم نعثر على شيء يؤكد مسموميتهم أو مقتوليتهم.
ولكن كل فريق يحشد مؤيدات، فمن المؤيدات لأصحاب الرأي الأول _ أنهم ماتوا ميتة غير طبيعية_ له مؤكدات وهي صغر السن ومفارقة الدنيا في وقت مبكر، وعدم معرفتنا بذهابهم عن هذه الدنيا وهم في حالة مرض مثلا، يتضح موتهم بميتة غير طبيعية.
٢. إمامتهم كانت مبكرة في الغالب لا سيما بالنسبة للإمامين الجواد والهادي في عمر ٨ أو ٩ سنوات، وتولى الإمام العسكري (ع) الإمامة وعمره ٢٠ سنة تقريبا، وقد أثير السؤال عن إمامة الإمام الجواد(ع) في عهده، وأُجيب عنه، فلم يسألوا في عهد الإمام الهادي، وقد ذكر أن الجواد بوجوده أولاً ثبت إمامة الإمام الرضا، ثم بتوليه الإمامة ثبت إمامة من يأتي من بعده وهو صغير السن، كابنه الهادي(ع)، لذلك قال عنه الرضا: "هذا المولود الذي لم يولد في الإسلام مثله مولودأعظم بركة على شيعتنا".
٣. ظاهرة الحجب والاحتجاب عن الناس، فالعادة كانت في عهود الأئمة السابقة من الإمام علي وحتى الإمام الرضا(عليهما السلام)، كانوا مع الناس وكانت اللقاءات بهم سهلة، واتصال الناس بهم لأخذ معالم الدين والتعرف على شرائع الإسلام أمراً يسيراً وعادياً، فيستطيع أي شخص الالتقاء بالأئمة المتقدمين، أما من عمر الإمام الجواد فصاعداً، وتدخل فترة سجن الإمام الكاظم _يقال بأنها أربع سنوات_، وفترة الإمام الرضا في طوس لمدة ثلاث سنوات، كان هناك حجب واحتجاب، فالحجب من قبل الحكام، والاحتجاب من قبل الأئمة أنفسهم، فحجب الخلفاء للأئمة واضحاً، حيث كان الخلفاء العباسيون يريدون فصل الأئمة عن أتباعهم وشيعتهم، حيث أن أي قائد إذا فُصل عن الناس، يفقد جزء من شعبيته، حيث لا يستطيع توجيههم، ولا الاستماع لهم، ولا تسلُّم أموال الحقوق الشرعية وصرفها في مكانها، فالخلفاء العباسيون حجبوا الأئمة عن بيئاتهم الطبيعية.
طرق وأشكال حجب الأئمة (ع):
أ. نقل الأئمة من أماكنهم، حيث نقلوا الإمام الجواد(ع) من المدينة المنورة لطوس ثم لبغداد، ثم لسامراء جاؤوا بالهادي(ع) لفترة طويلة إلى حد أن بعض المؤرخين قالوا بأن ولادة العسكري كانت في سامراء ولم تكن في المدينة، وهذا يبين الفترة الطويلة لوجود الإمام الهادي(ع) هناك، ففصلوا الأئمة حتى لا يستطيعوا الالتقاء بقواعدهم، ولا الناس تصل لهم وتسأله وتلتقي به.