في خضم هذه الأحداث قامت مجموعة من أولياء بني أمية مثل شمر ابن ذي الجوشن وعمر ابن سعد وعمر ابن الحجاج الزبيدي وكُثيّر ابن شهاب بإرسال رسالة عاجلة إلى يزيد ابن معاوية في الشام تتضمن تضعيف النعمان ابن بشير (وأنه رجل ضعيف أو يتضعف ولا يقدر على إدارة الكوفة[٢] فإذا كانت لك حاجة في الكوفة فأرسل عليها والٍ من ولاتك).فقام يزيد ابن معاوية باستدعاء سرجون[٣] لاستشارته في أمر النعمان ابن بشير وقدوم مسلم ابن عقيل إلى الكوفة فقال له: لو بُعث أبوك معاوية حياً هل كُنت تقبل رأيه فإذا ًهذا رأيه (عُبيد الله ابن زياد والي على البصرة قُم بضم الكوفة له حيث انه قادر على ضبط الأوضاع لأنه شخص صدامي واقتحامي وهو في سن الشباب ٣٢ سنة[٤] بخلاف النعمان فهو رجل كبير في السن ولا يرغب في الاصطدام والمواجهات الحادة)
وبالفعل قام يزيد ابن معاوية بإرسال ولاية الكوفة إلى عُبيد الله ابن زياد وأمره بالتعجيل فيها ووصل إليها قبل شهادة مسلم ابن عقيل.
*أعمال عُبيد الله ابن زياد في الكوفة...
١- عندما قدم عُبيد الله ابن زياد إلى الكوفة عزل النعمان ابن بشير وبدأ بحملة اعتقالات واسعة شملت كُل من يُحتمل أن يكون لديه أي قوة كما طالت هذه الحملة أيضاً رؤوس الشيعة الذين شاركوا في بعد في ثورة التوابين أمثال سُليمان ابن صُرد الخُزاعي والمسيب ابن نُجبه الفزاري وعبد الله ابن وال التيمي ومُسلم ابن كُثيّر والمختار الثقفي وهانئ ابن عروة.
ولأول مرة في تاريخ الكوفة قام عُبيد الله ابن زياد بمداهمة البيوت وانتزاع الأشخاص المطلوبين من الداخل بقوة السلاح و الذي كان مصيرهم إما الاعتقال أو القتل أو كِلاهما كما فعل ب ميثم التمار وهذا بطبيعة الحال أشاع جواً عظيماً من الرعب ليس فقط في صفوف عامة الناس وإنما أيضاً في الكبار من الشخصيات مما اضطر مجموعة من شيعة أهل البيت عليهم السلام بالاختفاء عن الأنظار إما بمبادرة منهم لحماية أنفسهم حتى ينتظروا ما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك أو أن مسلم ابن عقيل أشار عليهم بذلك أمثال مسلم ابن عوسجة وحبيب ابن مُظاهر الأسدي وذلك على أثر ما يتمتع به عبيد الله ابن زياد من السُمعة الشرسة الذي سبقت مقدمه إلى الكوفة والأعمال العنيفة الذي قام بها حين قدومه كالذي أعلنه حينما قدم إلى الكوفة بأنه (برئت الذمة ممن رأيناه بعد العتمة) أي من يخرج بعد صلاة المغرب والعشاء يُقتل بلا نقاش.
٢- عمل على تفعيل نظام العُرفاء الذي ابتكره الأمويون وطبقه عُبيد الله ابن زياد في الكوفة وهو نظام قائم على تقسيم الأحياء لكُل حيّ قبيلة معينة (مذحج-مراد-كندة-حضرموت-مضر) وكُل قبيلة لها عدة رؤساء تُعرف هذه الرؤساء بالعرفاء ويكونون باستلامهم للرواتب من الدولة مسؤولين في ضبط أفراد القبيلة إن غاب أحدهم يبحث عنه ويُرجعه وإن كان مطلوباً للدولة يُسلّمه كما أن عبيد الله ابن زياد اعلن عن براءة الدولة ممن لم يكن في محل عِرافته أي في غير الإطار الجغرافي والسياسي الذي حدده وبالتالي من الممكن أن يتعرض للاعتقال وربما القتل، وهذا النظام هو مزيج من نظام الاستخبارات والشرطة في وقت واحد وبه يكون قد تجسس على كافة أفراد المجتمع، وأيضاً فعل ابن زياد نظام المخابرات الفردي الذي يتجسس فيه على أفراد هو يُعينهم ويتقصدهم وبالتالي يكون قد عرف ابن زياد الخريطة العامة للكوفة ولأنصار مسلم ابن عقيل.
*مثال يوضح تفعيل ابن زيادة لنظام المخابرات الفردي...
عندما جاء عبيد الله ابن زياد إلى الكوفة أخذ يتحسس ويسأل عن مكان مُسلم ابن عقيل فأخبروه بأنهم لا يعلمون شيئاً عن مكانه ربما يكون في بيت المختار أو في بيت مسلم ابن عوسجه وربما في بيت هانئ ابن عروة وربما يكون في مكان آخر ، فدعا شخص يُقال له مَعقِل وهو كان قد قدم معه من البصرة فأعطاه مبلغ من المال يُقدر بثلاثة آلاف درهم وأمره بالذهاب إلى مسجد الكوفة وتحديد مَن مِن أفراد الشيعة الأكثر صلاة وتتقرب منه وتُخبره بأنك من موالي ذي الكلاع الحميري من الشام ومن أولياء أهل البيت ومُحبي علي ابن أبي طالب وقد قدِمنا إلى الكوفة وتبادر إلى سمعِنا أن مُسلم ابن عقيل مبعوث الحسين في الكوفة وأنا أُريد أن أراه لكي أُسلم على رسول الحسين وأُبايعه وأُسلمه الحقوق الشرعية من الأموال ، وبالفعل ذهب معقل إلى المسجد قبل اختفاء مسلم ابن عوسجة ورأى أنه أكثر الشيعة صلاةً فتقرب منه وأخبره بما قاله له ابن زياد، في بادئ الأمر شك فيه مسلم ابن عوسجه ولم يُعره أي اهتمام وقال له لا أعرف شيئاً ، وفي اليوم الثاني قدم معقل إلى المسجد وتحدث مع مسلم بنفس الأحاديث المُختلقة فقال له مسلم ابن عوسجة وكأنما أطمئن له غداً أأخذك إلى مسلم ابن عقيل وبالفعل التقى معقل بمسلم ابن عقيل وشرع في التظاهر بمختلف الحيل إلى أن أصبح في كل يوم يتردد على مسلم ابن عقيل بعنوان أنه موجود في الكوفة وهي فرصة للالتقاء برسول الحسين الذي يُحب أن ينظر إلى وجه ولكي يستفيد من المسائل المطروحة في محضره ، فعرف بذلك من يأتي إلى مسلم ومن يجلس عنده ومتى سينتقل من مكانه حتى قيل أنه لم انتقل مسلم من مكان إلى مكان آخر وصل خبره إلى عبيد الله ابن زياد.