الصَّديق وَيَشمَتُ فِيهِ العَدوُّ) أنا الحسينُ الإمامُ المعصومُ ضعيفٌ إلى جنب قوةِ اللهِ عز وجل ومحتاجٌ إلى جنب غِنَاه ومكروبٌ إلى جَنبِ نِعمَتِه, هذا يجعل الانسان لا يغلو في الإمام. في الدعاء الآخر بعد الأمر أوضح في نهاية وقت المعركة عندما يقول بعدما اشتَدّ به الحال وهو صريع إلى التراب ودماؤه تنزف, حيث رفع طرفه إلى السماء وقال (اللهُمَّ أنتَ مُتَعالي المكانِ، عَظيمُ الجبروتِ، شديدُ المِحال والقوة والقدرة والحيلة غنيٌّ عَنِ الخلائقِ عريضُ الكِبْرياءِ قادرٌ علَى مَا تشاءُ، قريبُ الرَّحمةِ) هذه الصفات الجبروت والكبرياء والعظمة والقوة (قادرٌ على ما أَرَدْتَ، مُدرِكٌ ما طَلَبتَ، شَكورٌ إذا شُكِرتَ، ذَكورٌ إذا ذُكِرتَ) هذا من جانب الله عز وجل, وأما من جانبي أنا الحسين (أدعوكَ مُحتَاجًا وأرغبُ إليك فَقيرًا، وأفزَعُ إليك خائِفًا، وأَبكِي مَكروبًا)
أنا الحسينُ أبكي في حالة كربي, وهذا راح أرجع إليه بعد قليل, (وأستعينُ بكَ ضَعِيفًا، وأتَوَكَّلُ عَليكَ كَافِيًا ,اللهم احْكُم بيننا وبينَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأَنتَ خيرُ الحَاكِمِين), أنا الحسينُ على عظمة شأني وجلالة قدري ومنزلتي العالية, بالنسبة إلى الله تعالى أبكي مكروبًا وأرغب إليه فقيرًا خائفًا ذليلًا. شبهتان وجوابهماالشبهة الأولى: لا يُشكِل علينا أحدٌ -كما صار في هذه الفترة-, يقول لك أن الكلام بأن الحسين بكى غير صحيح, كيف يبكي الحسين ؟!!, الحسينُ لا يبكي لأنه شجاع. جوابـها: لا, لأنه شجاع لابد أن يبكي, لأنه إنسان لابد أن يبكي, لو لم يَبْكِ إلى الله لما كان إمامًا, لو لم يكن فقيرًا معتَرِفًا بالفقر إلى الله لما جُعِل إماماً, لو لم يُظهر غاية الضعف عنده لما جُعل شهيدًا عند الله عز
وجل, ولو لم يَبْكِ على ابنه لَـما كان إنسانًا, وَ لَكان أسطوانة أو حديدًا أو خشبةً. الإنسان الذي لا يبكي في موضع البكاء ليس إنسانًا , هذا خَلْقٌ مُشَوّه. الشبهة الثانية: يعيب علينا بعض الناس, فيقول: كيف تبكي على الحسين وأنت رجل؟!!. جوابـها: أنا أبكي لأني رجل, لو لم أبكِ لما كنت رجلا, لأني إنسان فَلِي مشاعر, وهذه المشاعر تتحرك في وقت الفرح بالاستبشار وفي وقت الحزن بالبكاء, وكلما كان الإنسان أكثر مشاعر وعواطف كان أكثر إنسانية, عندما رفع الحسينُ طفلَه الرضيع على يده والسهم نابت في نحره والدماء تنزف منه, لو لم يتأثر الحسين آنذاك لما كانَ الحسين. عندما اعترض بعض الأصحاب على رسول الله ص, وقد مات ابنه إبراهيم من دون أن يضرب بسهم ولا يجرح بسيف اختاره
الله عز وجل وهو صغير, فبكى رسول الله ص وبكت مارية أمه, النبي عندما بكى, بعض من يعترض علينا في هذا الزمان أمثالهم اعترضوا على رسول الله ص, أنت يا رسول الله تبكي؟, دَعِ البكاء للنساء, النبي ص قال لهم: (إِنَّ العَيْنَ لتَدْمَعُ ،وَإنّ القَلْبَ لَيَحْزَنُ) إذا العينُ لم تدمع فهي عينٌ من زجاج وليست عينًا بشرية, وإذا القلبُ لم يحزن فهو قطعةُ حديدٍ, وينبغي أن يُنفى من البدن. الإمام الحسين عليه السلام بين يدي الله يقول أنا خائفٌ ومكروبٌ ومُحتاج وحزين, نعم أنا لست ذليلًا لأن قوتي من قوة الله, أنا لا أتراجع ولكني أحزن عندما أرى عليًّا الأكبر بتلك الصورة مقطّعًا على الرمضاء, وعندما أرى عبدًا أسودًا وهو جون مولى أبي ذَرّ الغفاري فَإنّي أحزن عليه وأبكي لأجله
وأضع خَدّي على خده, هذه هي قمة الإنسانية وقمة المشاعر والعواطف. أيها المتحدثون, لا تحوّلوا الحسين إلى هيكل حجري أو هيكل حديدي, الحسين لا يبكي والحسين لا يحزن والحسين ...الخ, إذن ماذا يصنع وهو إنسان؟. لو أن شخصا ضحك في موضع المصيبة وبكى في موضع الفرح, فسيقال هذا موازينُه مُختَلّة, ولو لم يتأثر حين تقع أعظم مصيبة ولم يتغير حاله, فهذا معناه أن لديه شيئا يجعله خارج حدود الإنسانية. الإمام الحسين ع يخاطب ربه ويستشعر بذلك ضعفه البشري والإنساني وحاجته إلى الله عز وجل, كجده رسول الله ص لما أوذي في ذهابه إلى الطائف, حيث توَجَّه إلى ربه (أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي ، إلَى مَنْ تَكِلُنِي ؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي ؟ أَمْ إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي ؟ ، أَمْ