٣٤ الاستبداد بالرأي منشؤه وأثره
كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال
حديثنا يتناول إحدى الصفات الأخلاقية السيئة، وهي صفة: الاستبداد بالرأي والموقف، ضمن سياق الحديث عن الأمراض الأخلاقية، التي قد يتورط فيها الإنسان. في القرآن الكريم، لو لاحظنا مثالين متعاكسين تماما، عرضهما القرآن الكريم. ولعل أحد أسباب ذلك، أن يتأمل الإنسان في كل من المثالين. فالمثال الأول: مثال فرعون، رجل عنده قدرة، وسلطة، وأعوان، وموقفه الرسمي والرئيسي، هو: أنه يقول: (مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ).
فالرأي رأيي، والنظر الصحيح نظري. وإذا تتبعوني، تتبعون الرشد. فأنتم لا بد أن تمشوا خلفي. وأساسا لا ينبغي أن يكون لكم رأي، (مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى)، أي أنتم ليس لكم أن تفكروا خارج إطار تفكيري. ولا أن تنظروا بعيدا عن نظرتي. أي لا ينبغي أن يكون عند أحد فكرة غير الفكرة التي هي عندي، أنا فرعون. (مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى)، لماذ؟ لأنه، انتهى به الأمر إلى أن يقول: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى). وبالتالي هذا نموذج قدمه القرآن الكريم، لأسوأ حالات الاستبداد بالرأي. فهو ليس فقط لا يأخذ رأي غيره، بل لا يقبل أن يفكر غيره بغير فكرته.
فمثلا، إنسان عنده رأي ويطبقه، ولا يهتم لغيره. أي: الآخرون سواء عندهم رأي أو ليس عندهم، هو لا يبالي بما عندهم. فهذه مرحلة من الاستبداد. مرحلة أخرى أسوأ من هذه، هي أن يستنكر على الناس أن يكون لهم رأي غير رأيه. فلا ينبغي أن يكون عندهم رأي غير رأيه، لا ينبغي أن يفكروا بغير طريقته، ولا أن ينظروا بغير نظرته، (مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى). وهذا نموذج في الاستبداد المطلق بالرأي.
في الطرف المقابل، نموذج بديع في المشاورة، والحديث مع الآخرين. وهو: نموذج ملكة سبأ: (إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ. إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ). تقول لهم: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ)، أي أنا أحتاج إلى رأيكم، إلى آرائكم، والتصميم النهائي والأخير، سأتخذه أنا الملكة، لكن لن أفعل إلا بعد أن تحضروا آراءكم، وتبينوا أفكاركم، ونتناقش فيها. ثم أنا في الأخير، أتخذ الرأي النهائي.
ومن المفارقة، أن هذا الموقف الجميل في المشاورة، يأتي من امرأة. وأن ذلك الموقف القبيح من الاستبداد يأتي من رجل. هذه مفارقة، إذا تلاحظونها، هي أن العادة في ذهن الناس، أن الرجل - وهو المفروض - أقرب إلى الحكمة، أقرب إلى التعقل، أقرب إلى جمع الآراء، أقرب إلى التريث، أقرب إلى التبين. وأن المرأة - مثلا - لغلبة العاطفة عليها، والتسرع أحيانا في بعض النساء، وما شابه ذلك، تريد أن تأخذ قرارها لوحدها وتمشي فيه.
فهنا القرآن يأتي بالنموذجين، ويقول: هذا الرجل فرعون، صاحب السلطة العالية، لا يهتم برأي غيره، بل لا يتحمل رأي غيره، بل لا يتوقع أن هناك من يفكر بطريقة غير طريقته. بينما هذه المرأة، التي هي المفروض في ذهن الناس أكثر ميلا للتسرع والعاطفة، لا تفعل ذلك. بل تأتي بالجماعة، وتجلسهم، وتفسح لهم أن يحكوا حكاياتهم، وتقول لهم: أنا لن أفعل شيئا إلا أن تبدوا آراءكم، وعلى ضوئها أتخذ القرار المناسب.
هذه الخصلة، خصلة الاستبداد بالرأي، الاستبداد بالموقف، (مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى)، الشيء الصحيح عندي، وغيري لا يسوى شيئا، وأنا كلمتي لا تتثنى، هذه من الصفات السيئة ومن الأمراض النفسية التي قد يبتلى بها فرعون، وقد يبتلى بها أصغر الناس. فليس بالضرورة أن يكون الإنسان صاحب أموال طائلة، وسلطة عظيمة، وجنود كثيرة، حتى يصبح مستبدا. لا. فأنا في بيتي، وربما ليس عندي خبزة اليوم، لأطعم بها أهلي، ولكني مستبد شرا من فرعون. وذاك الغني الثري، المليء، من الممكن أن يجاور، ويجمع آراء الناس، ويلين الكلام لهم، ويأخذ بالحق. فانظر، من أي الموفقين تكون.