هذا ما تقوله الأحاديث. من الأحاديث الجميلة، ما هو عن نبينا المصطفى (ص)، أنه يقول: "الحَزْمُ"، كثير من الناس يقولون: أنا أريد أن أصبح حازما، بمعنى أن: أقرر قراري ولا أتراجع فيه، وأتخذ موقفي وأمشي فيه للأخير. وهذا ليس حزما، "الحَزْمُ مُشَاوَرَةُ ذَوِي الرَّأْيِ وَاتِّبَاعُهُم". فإذا شاورت أصحاب الرأي، ورأيت أن رأيهم صحيحا فاتبعته، هو هذا الحزم. وليس أن تنفرد بالقرار لنفسك، ليس أن تصمم على الشيء الذي أنت تريده وتقف عنده، هذا ليس حزما، وهذا ينتهي إلى الهلاك. فمن استبد برأيه هلك.
في حديث آخر: "مَنْ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ خَفَّتْ وَطْأَتَهُ عَلَى أَعْدَائِهِ". لديك معركة مع أحد الأعداء، فتتخذ قرارك لوحدك، وتمشي فيه، وتستبد برأيك. ثم يقولون لك: لا، الطريق هكذا، الأسلوب هكذا، العمل هكذا. فتقول: لا، أنا هذا رأيي، كيفي، مزاجي هكذا. وهذه شائعة الآن، وهي من الكلمات السيئة جدا، والتي ينبغي أن نقاومها، خصوصا عند الأولاد.
تقول له: افعل هكذا، أو أخوه يقول له، أو أمه: لماذا تفعل هكذا. فيجيب: "كيفي"، "مزاجي". وهذه انتقلت إلينا بالتلقين من بعض أفلام الكارتون، ومن بعض الكبار. وهي تنشئ إنسانا مشوها، مستبدا. فماذا معنى: كيفي ومزاجي؟ لا معنى لها. إذا أنت إنسان مسلم ومؤمن، فليس من مجال إلى كيفك. المجال الوحيد، هو إما لحكم شرعي أو لحكم أخلاقي. فإذا الحكم الشرعي يقول جائز، بعد ذاك الوقت ليس من شي اسمه: كيفي. يقول: ليس جائزا، ذاك الوقت ليس من شي اسمه: مزاجي. وإذا – لنفترض - ليس هناك من حكم شرعي، يأتي المجال الأخلاقي، التوجيه الأخلاقي، فيحكم: يناسب هذا لو لا يناسب، يناسب الأخلاق أو لا يناسب.
شعور البعض، أو تصورهم أن المشاورة عبارة عن ضعف، تنتهي بهم إلى الاستبداد. لا، المشاورة حزم، المشاورة قوة. المشاورة معناها أن الإنسان يريد أن يجمع عقول الآخرين إلى عقله، وآراءهم إلى رأيه. وهنا ترى النتيجة. فالذي استبد برأيه، كفرعون لما قال: (مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ)، ماذا كانت نهايته؟ (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ)، هذه هي نتيجة الاستبداد. نتيجة المشاورة التي قامت بها ملكة سبأ، ماذا هي؟ (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). هذا وأسلمت مع سليمان لرب العالمين.
فهناك استبداد أدى به، ليس فقط هو، هو وقومه، (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، هذا المجتمع كله صار في النار، على أثر استبداد. وفي المقابل، على أثر مشاورة، على أثر تفاهم، على أثر مناقشة، على أثر تخل عن الاستبداد، مع أنه كان بإمكانها أن تفعل هكذا، أي تستبد. مع ذلك قالت لهم، وشاورتهم، وكانت آراؤهم خاطئة أيضا، فما تبعتها، وهذه هي فائدة المشاورة: أن الإنسان يرى الآراء كلها، وليس بالضرورة أن يتبعها، فقط يرى اختلاف الآراء، فيتبين صوابها من سقيمها وخطئها. (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ)، حرب، حاضرين لها، قالت: لا. وكان هذا الرأي العام، ولكنها رأت أن هذا الرأي ليس هو الصواب – هو هذا ناشئ من حالة الاستبداد، والشعور بالقوة والرغبة في المواجهة - فقالت: لا، ليس بهذا الشكل. أنا أرسل لسليمان بهدية وأنظر ماذا يصنع. رجل ملك، إذن، قضايا أموال. رجل نبي، فلا، هذا يحتاج إلى إيمان. فتبين المسألة أن نتيجة الاستبداد: هي تلك، ونتيجة المشاورة: هي هذه. فينبغي أن نعمل في بيئاتنا، في أسرنا، مع أهالينا، مع من يعمل معنا، بعيدا عن الاستبداد، ونستمع إلى غيرنا، نتشاور معهم، لا يمتلكنا حب الرأي، والتفرد بالموقف، وإجبار الآخرين عليه؛ حتى ننجو وينجو من معنا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.