هذا التشديد في لسان الأدلة وفي لسان الفتاوى عندنا نحن الإمامية بخصوص هذه المسألة، فعندنا يحرم الأكل على مائدة يشرب فيها الخمر، فإذا كنت مبتعثا، أو تحضر دورة من دورات العمل في الخارج، وجمعتك وجبة طعام مع أشخاص يشربون الخمر فإنه يحرم عليك أن تأكل معهم، وليس فقط ألّا تشرب معهم الخمر، بل مجرد الجلوس معهم على طاولة واحدة مع غير أن تشرب ولا تأكل لا يجوز على نحو الاحتياط الوجوبي، وهذه فتوى عند قسم من الفقهاء. ولم نر فتوى على شاكلتها تتعلق بلحم الخنزير مثلا.تبريرات باطلة
والأعجب من هؤلاء كلهم من يرفع شعار الحرية، متأثرا بالثقافات الغربية ومصرا على تأييد القرآن الكريم لشعاره، ومستدلا بلا فهم ولا تدبر بآيات شريفة مثل: {.. فَمَنْ شاء فليؤمن ومن شاء فَلْيَكْفُرْ..} [الكهف:٢٩] ومن قبيل قول الله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ.. } [البقرة:٢٥٦] وهذا خطأ شائع عند قسم من الناس ولا سيما بعض المثقفين إذ يرون أن حرية الإنسان فوق كل شيء. هذا خطأ فادح، فلا حرية للإنسان خارج إطار الدين وطاعة الله. من يقرأ الآية (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر) فليكمل القراءة {.. إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف:٢٩] الآيات تريد أن تقول اكفر إن شئت
لكن ليكن معلوما عندك أن نار جهنم تنتظرك أن كفرت.(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) لأنه (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) فلا حاجة لإكراه الإنسان بعد أن تبين له حقيقة الأمرين (الرشد والغي). أما إذا اختار إسكات عقله والاستسلام لشهوته حينئذ سيتحمل مسؤولية اختياره، {.. إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا..} [الكهف:٢٩].~ كل الديانات السماوية تحرم الخمرالخمر آفة كافحتها كل الديانات، لما لها من آثار مدمرة، أسريا واقتصاديا. واستحلال المنتمين إلى الديانة المسيحية للخمر إنما جاء بسبب كذبة مدونة في كتبهم المحرفة، وهي أن أول معجزة صنعها عيسى بن مريم على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام بعد بعثته ودعوته الناس إلى الله، أنه أتى إلى عرس، فطلب منه الناس معجزة، فحول أقداح المياه هناك إلى نبيذ. وهذه بلا شك فرية
على نبي الله عيسى (ع). الرجس رجس في كل الديانات السماوية، مسيحية ويهودية وإسلام، لأن أصول العقائد في الديانات السماوية واحدة، وأصول التشريعات واحدة، فغير معقول أن يكون الخمر في الإسلام حراما بينما في ديانة سماوية أخرى حلالا. لأن هدف الله من خلقة البشر واحد، فلا بد أن يكون برنامجهم في أصله واحدا أيضا. ولذلك نتعجب من بعض المسلمين كيف يقبلون بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يهدى الخمر أو تهدى إليه قبل تحريمها. هذه فرية في حق رسول الله (ص) وكذب عليه. فإذا كان بعض أهل الجاهلية من الوثنيين عبدة الأصنام حرموا على أنفسهم الخمر لما رأوه من أضرارها؛ كيف يعقل أن رسول الله (ص) الذي جعله الله نبيا وآدم بين الماء والطين لا ينزه نفسه عن
الخمر.~ هل تحريم الخمر جاء على مراحل؟وعلى خلاف الاعتقاد العام بين المسلمين بأن تحريم الخمر تم على مراحل وبالتدريج؛ يرى بعض الباحثين أن تحريم الخمر كان صريحا وقطعيا منذ البدايات.هل يعقل أن التدرج في التحريم استغرق ١٧ سنة؟ خصوصا مع وجود شواهد تاريخية تثبت خلاف ذلك، يذكر التاريخ أن الشاعر الجاهلي الأعشى خرج يريد الإسلام، ومعه قصيدة يمدح فيها رسول الله (ص) (فَلَمَّا كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ جَاءَ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُسَلِّمُ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَصِيرٍ، فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ الزِّنَا. فَقَالَ الأَعْشَى: وَاللَّهِ إِنَّ ذَلِكَ لأَمْرٌ مَا لِي فِيهِ مِنْ أرْبٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَصِيرٍ، فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ الْخَمْرَ، قَالَ الأَعْشَى: أَمَّا هَذِهِ فَوَاللَّهِ إِنَّ فِي