التكبر شخصياته غير المعروفة ٣٨

التكبر شخصياته غير المعروفة ٣٨
00:00 --:--

٣٥ التكبر وشخصياته غير المعروفة

كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال

قال الله العظيم، في كتابه الكريم، بسم الله الرحمن الرحيم: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ. أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ)، آمنا بالله، صدق الله العلي العظيم. هاتان الآيتان المباركتان تعتبران من أوائل الآيات القرآنية التي نزلت على نبينا المصطفى رسول الله (ص)، وبالرغم من أن السور المكية عموما وأوائل السور التي نزلت غالبا ما تتعرض إلى أصول العقائد، كقضية التوحيد والمعاد، ورسالة النبي (ص)، إلا أننا نجد فيها - كما في هذه السورة المباركة، وفي هاتين الآيتين - إشارة إلى قضايا أخلاقية، بل إلى أصول الأمراض النفسية والأخلاقية.

الآية المباركة كما يلاحظ الإنسان، تقول: (إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ. أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى)، والملاحظ أنها لا تقول: إن استغنى، وإنما (أَن رَّآهُ)، يعني إذا رأى نفسه. فقد يكون غنيا ويرى نفسه غنيا ومستغنيا، فيطغى. وقد يكون غنيا – في الواقع –بالمال والصفات وما شابه ذلك، ولكن لا يرى نفسه غنيا، بل فقيرا إلى ربه. فهذا مع أنه غني في الواقع، وله أموال كثيرة، وكفاءات متعددة، وصفات مختلفة، إلا أنه لا يرى نفسه مستغنيا، وهذا لا يطغى. وقد يكون فقيرا مدقعا وليس عنده شيء لكن يرى نفسه شيئا كبيرا، فيطغى ويتجبر ويتكبر.

من الممكن أن فقيرا لا يملك قوت يومه، لكن يرى نفسه كبيرا عظيما، مستغنيا عن غيره، هذا يطغى. ومن الممكن أن شخصا آخر، كسليمان، يمتلك ما لم يمتلكه أحد من قبله ولا من بعده، مع ذلك، لا يطغى. لا يقول: هذا من عندي، هذا أنا أمتلكه، بل يقول: (هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ). فليس دائما الإنسان الغني متكبر، ولا دائما الفقير متواضع. وإنما في الحالتين من رأى نفسه مستغنيا، من رأى نفسه عظيما، من رأى نفسه كبيرا، يتكبر، يطغى، بغض النظر عن أنه يمتلك أو لا يمتلك.

من رأى نفسه محتاجا إلى ربه، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وهذا الذي نقوم به، وتعلمنا أن نؤديه - وأرجو أن يلتفت المؤمنون، وهم بحمد الله ملتفتون - سجدة الشكر. فقسم من الناس، إذا انتهى من الصلاة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ركض باتجاه باب المسجد، إذا يصلي في مسجد. تعال عقِّب، بتسبيحة الزهراء، اقرأ بعض الأدعية، اسجد سجدة الشكر، فلها ثواب عظيم. فمما جاء فيها، وهذا التعبيد للإنسان، "سَجَدْتُ لَكَ يَا رَبِّي خَاضِعًا خَاشِعًا فَقِيرًا حَقِيرًا، سَجَدَ لَكَ وَجْهِي وَعَظْمِي وَدَمِي وَلَحْمِي وَمُخِّي وَعَصَبِي وَقَصَبِي وَشَعْرِي وَبَشَرِي وَجَمِيعَ جَوَارِحِي"، هذا تعبيد للإنسان. يعني: أنا يا رب لا شيء، لا شيء، أنا ساجد، خاضع، داخر، لا أملك شيئا. هذا ينجي الإنسان من: (إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ. أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ)، إذا التفت إلى حقيقة معناها.

واحد من الأمراض الخطرة على حياة الإنسان، هي حالة التكبر والطغيان. الطغيان أصلا، معناه: الزيادة. يقولون: طغى السيل: تجاوز مكانه المعتاد، ومن هذا المعنى اللغوي الخارجي، جاءت هذه اللفظة، وهذا المفهوم - الطغيان - إلى المسائل الأخلاقية والاجتماعي، كطغيان الماء، (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ).

الإنسان قد يتبلى بمثل هذا المرض، مرض التكبر، مرض الاستكبار. تكبر، - كما هو معلوم – تفعُّل من الكبر. فهي على وزن تفعُّل. أي أظهر الكبر، وطلبه، ومارسه على غيره. فيرى نفسه أكبر من حجمه، وأكبر من غيره. أو استكبر، نفس الشيء. استكبر، على وزن استفعل، أي طلب الكبر على الآخرين. وهذا ليس من شأن الإنسان. ومن الجميل أن هذه الصفة: المتكبر، بالنسبة إلى الله، من أسماء الله الحسنى. مذكورة ضمنهم: المتكبر الجبار، أو الجبار المتكبر في القرآن الكريم، (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)، (الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ).

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة