معاوية حربًا اقتصاديةً ضروسًا بعد أن أخلّ معاوية بالشروط التي تعاقد فيها مع الإمام الحسن عليه السلام حيث بدأ الهجوم المضاد وهذا يذكره ابن أبي الحديد وغيره نقلًا له عن كتاب ( الأحداث ) للمدائني أبي الحسن وهو قديمٌ جدًا أنّه عمّم تعميمًا حيث قال انظروا من اتّهمتموهم بموالاة هؤلاء القوم فأسقطوا عطاءه ورزقه وامحوا اسمه من الديوان ، ومحو اسمه من الديوان يعني أنّه يحرم من العطاء والضمان الاجتماعي ، وكانت هذه الحركة تهدف إلى افقار للمجتمع ؛ لذا اشترط الإمام الحسن عليه السلام من خلال الصلح أن يخصّص لهؤلاء المحرومين مقدارًا من المال ، والإمام الحسن عليه السلام كان معروفًا بالعطاء الكثير حيث أنّه قاسم الله ماله مراراً ، فكانت عطاءآته كثيرة بل وتشير إلى أنّ الوضع الاجتماعي
كان وضعًا حرجًا بالنسبة للناس من الناحية الاقتصادية فقد تمت محاربة الموالين القلة اقتصاديًا وبشكل كبير ، لذا لم يكن من المناسب أن ترد الروايات في الحث على إخراج الخمس ولم يلاحظ أية ممارسات وإجراءات اجتماعية توحي بأنّ أحدهم أتى بالخمس وأعطاه لأحد الأئمة الثلاثة عليهم السلام.وقد انعكس الحال في زمان الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام وبشكل أخص في زمان الإمام الكاظم عليه السلام.
زمن الإمام الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام
تغيّر الوضع في زمان الإمام الباقر في أواخره وزمان الإمام الصادق بكامله وزمان الإمام الكاظم عليهم السلام فقد تبلور المجتمع الشيعي بشكل واضح ، وأصبح المجتمع الشيعي واضح جداً في الكوفة و في المدينة أيضاً ، بل وظهرت مناطق جديدة تدين بالتشيع على أثر قيام الحجاج الثقفي بالضغط على شيعة أهل البيت في الكوفة زمان عبد الملك بن مروان حيث هاجر قسم كبير من القبائل الشيعية إلى مناطق جديدة ، فهاجر قسم منهم إلى جبل عامل في لبنان والذي هناك بدأ التشيع كما هو صحيح وليس كما قال البعض أنّ أباذر الغفاري هو من أسّس التشيّع لأنّ هذا لا يعضده دليلٌ تاريخيٌ ، وهاجر قسم كبير إلى إيران في منطقة الري وهي أيضًا بداية التشيع في إيران ، وكان ذلك في حوالي سنة ثمانين للهجرة ، حيث بدأت هذه القبائل تنتشر على أثر الضغط الأموي عليها في الكوفة ، فهاجرت هنا وهناك ومع هجرتها أدّت إلى انتشار التشيع ، وكان وضع الأئمة عليهم السلام يتّصف بنوع من الاسترخاء السياسي فقد كان في زمان نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية ، حيث أصبح لدى الأئمة عليهم السلام فرصة للحديث في الأحكام ، فنجد هنا روايات عن الإمام الباقر متعددة ، وروايات عن الإمام الصادق كثيرة جداً ، ونجد ممارسات لشيعة أهل البيت في هذا الموضوع كثيرة ، فعلى سبيل المثال
هناك رواية عن الإمام الصادق عليه السلام يقول : ( إنّ الله لا إله إلا هو لمّا حرّم علينا الصدقة أبدلنا بها الخمس فالصدقة علينا حرام والخمس لنا فريضة والكرامة لنا حلال ..)٢
كلمة فريضة هنا إشارة إلى ما جاء في القرآن الكريم في الآية المباركة ، إذ لدينا أنّ التعبير بكلمة فريضة أي حكم ورد ذكره في القرآن، والرواية صحيحة وواضحة وصريحة تشير إلى تفسير الآية المباركة في سورة الأنفال.
بل أكثر من هذا على أثر مراجعة الناس إلى الأئمة عليهم السلام ولا سيما في عهد الإمام الصادق سلام الله عليه سواء أيام إقامته في المدينة أو في السنتين اللتين بقي فيهما في الكوفة ، فقد حدثت وشايات ضد الإمام الصادق عليه السلام ، وفيما بعد بشكل أشد على الإمام الكاظم حيث قيل أنّ هؤلاء الأئمة يجبى لهم المال والخراج.
أما بالنسبة للخراج فلم يكن يعطى للأئمة كما قالوا لأنّ الخراج هو عبارة عن أرض من الأراضي تفتح ويستأجرها صاحبها ثم يعطي للدولة أموالاً ، والإمام عليه السلام لم يكن متصديًا لهذه القضية السياسية الرسمية ، ولكنّ هذا كان تعبيرًا عن اجتماع الأموال عند الأئمة سلام الله عليهم وأنّ الناس كانوا يعطونها إليهم ، وهؤلاء الوشاة والجواسيس أيام بني أمية وأيام بنو العباس كانوا يريدون أن يستغلوا هذه الجهة في تحريض السلطات على الأئمة عليهم السلام ويشيعون بين الناس إنّ هؤلاء يعملون على إثارة الشعب والانقلاب على السلطة الحاكمة واحتلال موقعها.
ولا سيما في زمان الإمام الكاظم عليه السلام حتى كان أحد أقاربه وهو محمد بن إسماعيل بن جعفر ابن أخ الإمام كان لديه ولد اختلف فيه هل كان محمد أم كان علي ، هذا الشاب كان مراهقًا يريد الدنيا وقد أراد أن يبدّل حياة آبائه البسيطة والعادية إلى الأفضل ، كان لديه طموح سياسي اقتصادي زائد فأراد أن يسترزق بالانتماء إلى السلطة والدولة ، فأراد ذلك عن طريق الوشاية بالإمام الكاظم عليه السلام وقال أنّه يستلم الأموال الطائلة لكي ينقلب على السلطة فذهب من المدينة إلى بغداد زمان هارون، ومرّ على الإمام الكاظم حتى يخفي خروجه وقال له أنا لدي حاجة سأخرج في طلبها وأتيت لأودعك ، لكن الإمام عرف غايته فأعطاه صرة فيها ثلاثمائة دينار ذهب وهي تساوي ثمن مئة شاة ، أعطاه إياها وقال له يابن أخي اتق الله في عنقي ، فقال له لا يصيبك من جهتي إلا خير ، ثم ذهب إلى هارون وقال له : أنا ما علمت في الأرض خليفتين إلا عندما دخلت على موسى بن جعفر كما تأتي لك الأموال هو أيضا تأتي له الأموال ، هنا زاد حنقه على الإمام ، وهذا الواشي لم ينل ما أراده من القرب لدى السلطة الحاكمة فقد أعطوه مبلغًا زهيدًا وخابت كل توقعاته وخابت آماله في الحصول على منصب الوزارة لديهم ، فرجع ووافاه الأجل في الطريق ، فقد مات على هيئة لا يحبها إنسان ، إذ دخل بيت الخلاء فمات في بيت الخلاء وقد خسر الدنيا والأخرة ، وذلك هو الخسران المبين.