ثمّ خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة فصلّى فيه ا لظهر، وعزم]أحرم[بالحجّ مفرداً، وخرج حتّى انتهى إلى البيداء عند الميل الأوّل فصفّ الناس له سماطين، فلبّى بالحجّ مفرداً، وساق الهدي ستّاً وستّين بدنة أو أربعاً وستّين، حتّى انتهى إلى مكّة في سلخ أربع من ذي الحجّة فطاف بالبيت سبعة أشواط، وصلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم، ثمّ عاد إلى الحجر فاستلمه، و قد كان استلمه في أوّل طوافه.ثمّ قال: إنّ الصفا والمروة من شعائر اللَّه فابدؤوا بما بدأ اللَّه به، وإنّ المسلمين كانوا يظنّون أنّ السعي بين الصفا والمروة شيء صنعه المشركون، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، ثمّ أتى الصفا فصعد عليه فاستقبل الركن اليماني
فحمد اللَّه وأثنى عليه ودعا مقدار ما يقرأ سورة البقرة مترسلاً، ثمّ انحدر إلى المروة فوقف عليها كما وقف على الصفا، ثمّ انحدر وعاد إلى الصفا فوقف عليها، ثمّ انحدر إلى المروة حتى فرغ من سعيه، ثمّ أتى جبرئيل وهو على المروة فأمره أن يأمر الناس أن يحلّوا إلّا سائق هدي، فقال رجل: أنحل ولم نفرغ من مناسكنا؟ فقال: نعم.فلمّا وقف رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بالمروة بعد فراغه من السعي أقبل على الناس بوجهه فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ هذا جبرئيل وأومأ بيده إلى خلفه يأمرني أن آمر من لم يسق هدياً أن يحلّ ولو استقبلت من أمري مثل الذي استدبرت لصنعت مثل ما أمرتكم، ولكنّي سقت الهدي، ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحلّ حتى
يبلغ الهدي محلّه. فقال "له" رجل من القوم لنخرجنّ حجّاجاً وشعورنا تقطر؟ فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: أمّا إنّك لن تؤمن بعدها أبداً. فقال له سراقة بن مالك بن خثعم الكناني: يا رسول اللَّه علّمنا ديننا كأنّما خلقنا اليوم، فهذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أم لما يستقبل؟ فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: بل هو للأبد إلى يوم القيامة، ثمّ شبّك أصابعه بعضها إلى بعض وقال: دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة.وقدم عليّ عليه السلام من اليمن على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وهو بمكّة، فدخل على فاطمة عليها السلام وهي قد أحلّت فوجد ريحاً طيّبة، ووجد عليها ثياباً مصبوغة. فقال: ما هذا يا فاطمة؟ فقالت: أمرنا رسول اللَّه
صلى الله عليه وآله وسلم، فخرج علي ّعليه السلام إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم مستفتياً و محرشاً على فاطمة عليها السلام , فقال: يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم، إنّي رأيت فاطمة قد أحلّت، عليها ثياب مصبوغة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: أنا أمرت الناس بذلك، وأنت يا عليّ بما أهللت؟ قال: يا رسول اللَّه، إهلالاً كإهلال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: كن على إحرامك مثلي، وأنت شريكي في هديتي.قال: فنزل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بمكّة بالبطحاء هو وأصحابه؛ ولم ينزل الدور، فلمّا كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا ويهلّوا بالحجّ، وهو قول اللَّه الذي
أنزله على نبيّه: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﴾ فخرج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مهلّين بالحجّ حتى أتوا منى فصلّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر، ثمّ غدا والناس معه، فكانت قريش تفيض من المزدلفة وهي جمع، ويمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأقبل رسول اللَّه وقريش ترجو أن يكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فأنزل اللَّه على نبيّه: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ﴾، يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق في إفاضتهم منها ومن كان بعدهم، فلمّا رأت قريش أنّ قبّة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قد مضت كأنّه دخل في أنفسهم شيء للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم، حتى انتهوا إلى نمرة وهي بطن عرفة بحيال الأراك فضربت قبّته، وضربت الناس أخبيتهم عندها