أهداف العبادات ومقاصدها ٤

أهداف العبادات ومقاصدها ٤
00:00 --:--

*عبادة قسرية جبرية
* عبادة اختيارية طوعية

- العبادة القسرية هي عبادة كل المخلوقات ( فقال للأرض والسماء ائتيا طوعاً او كرهاً قالتا أتينا طائعين)٦
فالسماء بما فيها والأرض بما فيها من مخلوقات عاقلة وغير عاقلة هي في موقف عبودية لله تعالى، وذلك يعني أنّها  متكلة ومعتمدة على الله، ومجبورة أن تتّبع النظام الذي وضعه الله لها، فهذه عبودية مطلقة ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكلٌ في فلك يسبحون)٧
فلا الشمس تغير مسارها باختيارها، ولا الليل يسبق النهار ، ولا النهار يسبق الليل، ولا الأفلاك تنزل ولا الشجرة تمتنع عن النمو ولا النخلة في إعطاء الثمر، فهي مقسورة على ذلك إلا لو كان من أصل خلقتها، فلا سبيل لها أن تقرّر وتختار، السماء عبد والأرض عبد وكل المخلوقات عبيد لله بعبودية قسرية جبرية لا تمتلك تغييرها، مثل البدن فهو عبد لله قهراً، فالقلب يعمل ضمن منطق العبودية فهو يتحرك من غير إرادتنا ، ونتنفس بغير إرادتنا، كل هذه العمليات هي عبودية وطاعةٌ قسرية لله ككل الكون.
- العبادة الاختيارية هي عبادة طوعية، أي أنّ الله أوجب عليه أمورًا وترك له الخيار أن يفعل أو يترك، مثل الصلاة قال له صلِ ، فإن وفّق صلى واهتدى لله، وإلا كان له أن يعصي ربه ويتمرد على أوامره.
خلق البشر والجن كان من أجل العبادة الطوعية الاختيارية، والعبادة هي تقديم واستجابة للمعبود ، فإذا طلب شخص من آخر شئ واستجاب له، فإما ينتظر التكريم منه أو الثمن، أما الله سبحانه وتعالى فإنه يقول (ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون)٨ لماذا؟؟ لأنّ الله هو الرزاق، والذي يحتاج لرزق وثناء وتكريم الغير هو المحتاج، أما المعطاء الرزاق فلا يحتاج ، المحتاج للتكريم محتاج لأن يقوّي نفسه لأنه ضعيف، ودائمًا يتساءل لمَ لم يمدحني لمَ لم يشكرني أحد ؟؟
وهذا يعني أنّ لديه ضعف وخلل يرمّم به نفسه من خلال شكر وثناء الغير.
(ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون* إنّ الله هو الرزاق ذو القوة المتين) الله هو الذي يعطي القوة وهو غير محتاج للثناء والحمد.
يقول أمير المؤمنين (إنّ الله خلق الخلق حين خلقهم غنيًا عن طاعتهم آمناً من معصيتهم، لأنه لا تنفعه طاعة من أطاعه ولا تضره معصية من عصاه)٩، ولذلك نحن نعترف بقولنا بعد الصلاة في هذا الدعاء( اللهم هذه صلاتي صليتها لا لحاجة منك اليها ولارغبة منك فيها ولكن تعظيمًا واجابة لما أمرتني به)١٠
إذن فالكون والخلق هادف، والبشر والجن خلقوا لأجل العبادة التي قد تكون قسرية يشترك فيها كل المخلوقات مع الإنسان، وقد تكون اختيارية إرادية مثل الإنسان، كأن يكون في البيت شخص مطيع وآخر عاصٍ، شخص مصلي وآخر تارك للصلاة، فهذا اختار العبادة وذاك لم يخترها، إذن فغرض خلق الإنسان هو أن يكون عابدًا لله.

- العبادات توقيفية

لو نظرنا للعبادات التي طلبت منا لوجدنا أنّها ضمن برنامج بنظام معين وليست على أي طريقة كانت،
وهذا مقصد فقهاء الإسلام بقولهم أنّ العبادات توقيفية ( أي أنها غير متروكة لاقتراحات الإنسان) كأن يأتي شخص ويقول أريد عبادة الله بطريقة اليوغا الهندية( أي أنه يجلس بطريقة معينة ويركز نظره على نقطة معينة) أو شخص آخر يقول أريد عبادة الله من خلال الموسيقى ( أي أنّني عندما استمع للموسيقى تحلّق روحي وتلتقي بالله) أو عبادة الله من خلال الرقص ( وهو طريقة لتخلي الجسد واستبطان الروح) وهذا ما يصنعه الدراويش .
هذه الأنماط ليست عبادات لأن العبادا ت كما ذكرنا ليست اقتراحية وإنما هي توقيفية بنظام وطريقة معينة، وهناك تيار يعرف بتيار العرفان المنفلت عند بعض العرفاء يقولون فيه أنّ الصلاة والركوع والسجود ماهي إلا عبادة العوام ، أما عبادة العارفين فهي التأمل والتفكر ولا يحتاج الإنسان للصلاة ، وهذا كلام لاصحة له، فالعبادات برنامج دقيق محدود توقيفي لا يقبل بغيره، لذلك إذا جاء أحدهم وقال كما يقولون أنّ الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق ،  والعبادات كذلك فالصلاة طريق للعبادة وكذلك الموسيقى، نستطيع الصيام ونستطيع الرقص كذلك، فهذا الكلام لا صحة له، وقول أنّ الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق قول مشبوه جاء في الثقافة العامة عند المسلمين ولا أصل له ، وهو خاطئ حتمًا، وقد يكون صحيحًا بمعنى وخاطئ بمعنى آخر، لكن في النهاية هو  ليس بآية ولا حديث، وإنما هو مجرد قولٍ طرحه بعض العرفاء ثم تناقلوه.
إذن فالعبادات توقيفية وليست اقتراحية، برنامج محدود دقيق جدًا بالسفر والحضر ( من شهد منكم الشهر فليصمه) ١١
( من كان مريضًا أو على سفر)١٢
 لا يجوز له الصيام ( فعدة من أيام أخر) ١٣ فإذا صام وهو مريض مع علمه بالضرر الذي سيترتب عليه فصومه غير صحيح ويحتاج لصيام يوم آخر، ولو صام وهو مسافر ويعلم بالسفر حكمًا وموضوعًا فعليه صيام يومٍ آخر، لأنّ برنامج العبادة دقيق .

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة