اليأس والقنوط

اليأس والقنوط
00:00 --:--

ففي هذه الدنيا، ستكون منعطفات، إغلاقات، صعوبات، مشاكل، ونتيجة ذلك لو أحسنت إدارتها والتوكل على الله فيها، فإنك ترتقي في درجاتك. ومن لا يعرف أن طريقة الدنيا والخلق هي هذه. تصيبه هذه المشكلة، وتلك الثانية، والثالثة، فيبدأ باليأس، يصيبه القنوط.

البعض يصبح عنده ذلك، إلى الحد يجعل منه عدم التوكل، وعدم الثقة بفرج الله، إلى حد أن يقول لك: أنا أينما أضع وجهي في مكان، ذاك المكان، يصبح مظلما. لو أذهب إلى البحر، يجف، كما يقولون. لا. ليس الأمر هكذا. وليس صحيحا، ولا يوجد شخص من هذا النوع. لا يوجد شخص خلق لهذه الطريقة. فلا بد لديه توفيقات كثيرة، ولديه مشاكل؛ قد تكون لسوء إدارته، أيضا كثيرة.

من جهة أخرى، عدم الثقة بالله سبحانه وتعالى. تقول له: الله أقوى، لو ذاك الظالم الذي أخذ مالك؟ يقول: صحيح الله أقوى، لكن هذا الآن قد أخذ أموالي؟ هذا إذن أنت لا تعتقد بأن الله سبحانه وتعالى قادر على إنصافك لو كانت الحكمة في ذلك.

بمقدار ما تثق بالله عز وجل وتحسن الظن به سنجد منه.، وقد أخبر على لسان أوليائه بأنه عند حسن ظن عبده به، ففي كل مصيبة، في كل مشكلة، في كل قضية، كن واثقا بالله عز وجل. القرآن الكريم، في سورة الأنبياء، يتحدث عن تجارب أنبياء الله عز وجل، بشكل يبين أن هؤلاء تعرضوا للمصاعب والمشاكل والأمور المختلفة ولكن الله سبحانه وتعالى، فرج عنهم، وبعض هذه الآيات نقرؤها في صلاة الغفيلة.

لا تتصور أن اختيار الآيات في الصلوات، هو اختيار عشوائي، لا. وإنما يراد تثبيت مفاهيم. لاحظوا ماذا يقول ربنا، في سورة الأنبياء، يستعرض عددا من تجارب الأنبياء، فبعد أن يبدأ بقضية نبي الله إبراهيم - تقريبا من آية ٥٥ في سورة الأنبياء فصاعدا، وكيف أنه وقع في ورطة مع نمرود على أثر قيامه بعمله التوحيدي وتحطيمه الأصنام، إذ أتوا له وأشعلوا له تلك النار العظيمة المعروفة، (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ)، هو واحد فقط الآن، وكل المجتمع ضده، ونمرود السلطان أيضا، أتى بالنار وأسعرها، فالنتيجة ما هي؟ (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ. وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ).

ثقة إبراهيم بربه، انتهت به إلى هذا. أنا أيضا الإنسان المؤمن إذا فكرت أن حسن ظني بربي، وتوكلي عليه، وثقتي به في مشاكلي وقضاياي، هو قادر على حلها، فتنتهي إلى: (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ).

ثم أيضا، يأتي بنموذج آخر، فهؤلاء أنبياء، المفروض أن لا يتعرضوا لمشاكل، بحسب مقاييسنا الاعتيادية، ما داموا هم القريبون من الله، والعظماء منزلة، لكنه يقول تعالى أيضا: (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ)، والقضية المعروفة: دخلوا عليه وأرادوا أن يقتحموا عليه بيته، لكن الله سبحانه وتعالى فرج عنه ذلك: (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ). ونوح أيضا: الشيء نفسه. ثم يتحدث عن داوود وسليمان، إلى أن يأتي ويقول: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ). كم هي مشاكلك، كم هي - أيتها المؤمنة - مشاكلك، كم نسبتها إلى مشاكل وقضايا ومحن أيوب. لكنه مع ذلك، كان هذا موقفه: (نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ)، فحتى طريقة الدعاء، طريقة مهذبة، يقول له: يا رب، ترى أنا مضرور، أصابتني مشاكل. وأنت أرحم الراحمين. والنتيجة: (فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ).

إلى أن يقول: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ). أشرت قبل قليل: أنه نحن لما نقرأ في صلاة الغفيلة، هذه الآية، إنما لكي تنبهنا أن ذلك الذي كان مسجونا في داخل ظلمات ثلاث، وبحسب المقاييس الطبيعية العادية، لا يمكن أن يبقى على قيد الحياة، لكنه نادى ربه، أقر بذنبه. وإن كان بحسب الاصطلاح ليس ذنبا، وليس ظلما وإنما هذا مبالغة في الاعتراف. وقد تحدثنا عن بعض موهومات خلاف العصمة في الآيات المباركة في مكان آخر. وقلنا أن هذه ليست الذنوب الاصطلاحية، وليست الظلم الاصطلاحي الذي نمارسه نحن.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة