اليأس والقنوط

اليأس والقنوط
00:00 --:--

٣٦ اليأس والقنوط

كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال

 

قال الله العظيم في كتابه الكريم، بسم الله الرحمن الرحيم: (وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ)، آمنا بالله، صدق الله العلي العظيم، في سياق الحديث عن الأمراض الأخلاقية والصفات السيئة، نتحدث عن مرض اليأس والقنوط. اليأس والقنوط، هو المقابل المضاد للرجاء والأمل. الإنسان الذي يرجو رحمة ربه، في مقابله هو اليائس من رحمة ربه. الشخص الذي لديه أمل بالفرج وبانكشاف الهموم، هو في النقطة المقابلة لمن ييأس من روح الله. ولا ريب أن اليأس والقنوط من الأدواء والأمراض التي قد تعرض على الإنسان، وتكشف عن نقص إيماني كما تكشف عن نقص معرفي وعلمي.

اليأس والقنوط لا يختص فقط بما يرتبط بجانب الذنب وما يترتب عليه من العذاب، أو بجانب الرحمة الإلهية. وإنما قد تتملك هذه الصفة إنسانا ما، فتفسد عليه أمور حياته بشكل عام. فقد تجد أناسا في كل حياتهم طابع التفاؤل، طابع الرجاء، طابع الأمل، طابع التوكل، طابع الثقة بالله عز وجل. حتى وهو في أسوأ المشاكل، وفي أعقد المعضلات، مع ذلك، يعتقد جازما إن رحمة ربه قريب من المحسنين. يعتقد في داخل نفسه، أن الله سبحانه وتعالى سيفرج عنه همه ويكشف عنه كربه، ويحل له المشكلة، من حيث لا يحتسب هذا الإنسان، فضلا عما كان يحتسب.

أحيانا الإنسان يرى المشكلة الكذائية، ويقول هناك عدة حلول لها. الحل الأول: أجربه، وهو كذا. الحل الثاني: أجربه، وهو كذا. وفي بعض الأحيان، تنسد أمام الإنسان سبل الحلول الاعتيادية، فيعجز عن اجتراح حل، وعن اقتراح طريق؛ لإزالة هذه المشكلة. مع ذلك، هذا الإنسان الآمل، هذا الإنسان الراجي، يقول: أنا في الأمور التي أحتسبها، أفكر فيها، أخطط على أساسها، أنا عاجز عن ذلك. لكن هناك حلول إلهية، لم أكن أحتسبها. لا أعرفها. الله هو الذي يفرج عني بتلك الحلول.

وقد نقل عن بعض العباد وأصحاب الأذكار، أنه إذا ضاقت به السبل: سبل المعيشة، سبل الرزق، وانسد أمامه باب الفرج، كان يلجأ إلى ذكر معروف بينهم، وهو أنه يقرأ: سورة التوحيد ثلاثا، وهي بمثابة ختم للقرآن - كما ورد في روايات متعددة - ثم يصلي على محمد وآله ثلاثا. اللهم صل على محمد وآل محمد. ثم يقرأ هذا الدعاء: "يَا مَنْ إِذَا تَضَايَقَتْ الأُمُورُ، فَتَحَ لَهَا بَابًا لَا تَذْهَبُ إِلَيهِ الأَوْهَام، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَافْتَحْ لِأُمُورِي المُتَضَايِقَةِ بَابًا لَا يَذْهَبُ إِلَيهِ وَهْمٌ".

يقول هؤلاء: عادة ما كانت تنكشف المشاكل أمامهم وينفتح باب الفرج لهم، بعد التوكل على الله، والإيمان بـأن الله سبحانه وتعالى يفرج كل هم، ويدبر كل أمر. نحن البشر، دائرة المعادلة عندنا دائرة محدودة. في الرزق مثلا، أقول: أسجل في هذه الشركة، أعمل هذا العمل، أستثمر في هذا المجال. فلدي أربعة، خمسة، عشرة أبواب، أفكر فيها، مما أحتسبه رزقا. لكن الله سبحانه وتعالى الذي بيده مفاتح الغيث، وبيده مقاليد الأمر في الكون كله، ما يمكن أن يفتح لي سبحانه وتعالى من أبواب الرزق، التي لا أعلمها، شيء عظيم وكثير.

فحتى لو انسدت الأبواب المحتسبة، الأبواب المقترحة في ذهني. فأنا الإنسان صاحب الأمل، أفكر في تلك الأمور التي لا أحتسبها، ولا أفكر فيها، بل ولم تطرأ على بالي أصلا، والله سبحانه وتعالى، يجري فيها الرزق والفرج والخير، فهذا قسم من الناس. هكذا هي طبيعة حياته.

وهذه الطبيعة ناشئة عند هؤلاء من حسن الظن بالله، والثقة بالله. وعندنا روايات كثيرة: "أَنَا عِنْدَ حُسْنُ ظَن عَبْدِي بِي". فلو تورطت في مشكلة - لا سمح الله ولا قدر - فقسم من الناس أول ما يتبادر إلى ذهنه هو أسوأ الاحتمالات. افترض، مثلا: مخالفة بسيطة، وفي حقيقتها تنتهي بجزاء مالي، لكن بعض الناس لعدم ثقته بالله، ولنظرته السوداوية تراه يبتعد بأوهامه إلى حد أنه يرى أنه سيحكم عليه بالإعدام من وراء هذه المخالفة.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة