اليأس والقنوط

اليأس والقنوط
00:00 --:--

دائما نظره أسود، فكره سلبي، توجهاته غير واثقة بفرج الله، هذا قسم من الناس. وقسم آخر، لعل السامعين منهم إذا هجمت عليه المشاكل، إذ يرى فيها الفرج. فكل هذه المشاكل أمام قدرة الله، كم تساوي؟ لا شيء. أمام عون الله، ماذا يمكن أن تصنع؟ لا شيء. لذلك فإن هؤلاء في أشد عواصف المحن، تجدهم في أشد حالات الاستبشار.

ويكفيك من المثل مولانا الإمام الحسين سلام الله عليه، الذي قال عنه بعض من حضر واقعة كربلاء، وقد أفرد بين الناس، وأصبح مكثورا، مكثورا يعني: الشخص الذي تكاثر عليه الأعداء من كل النواحي. بعد هذا لا يمكنه أن يفعل شيئا، فهم ليسوا من جهة واحدة، بل أحاطوه مثل الدائرة. يقول هذا: "فَوَ اللهِ مَا رَأَيتُ مَكْثُورًا قَدْ قُتِلَ وُلْدُهُ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ أَمْضَى جِنَانًا وَلَا أَشْجَعَ قَلْبًا وَلَا أَكْثَرَ إِشْرَاقًا مِنَ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ"، سلام الله عليه، في عز المحن، في أتون المشاكل، يقول: "هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي، أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ".

فإذن، هما مثلان متقابلان، بين الإنسان اليائس القانط، غير الواثق من نصر الله، سيء الظن بالله عز وجل، وبين الإنسان الواثق بالله، الراجي نصر الله، الآمل في عون الله عز وجل، الذي يرى الفرج بعون الله قريبا منه.

قد تكون هناك أسباب تجعل بعض الناس، من اليائسين القانطين، الذين وصف بعضهم في مرحلة من المراحل، بأنهم كافرون، وفي أخرى وصفوا بأنهم ضالون. في الآية المباركة، في قصة نبي الله يوسف: (اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)، فهنا ييأس من روح الله: الكافر. في آية أخرى، قال: (وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ)، فهنا: قنوط يساوي ضلال، وهناك يأس من روح الله، يساوي كفر. لذلك صار سؤال: هل أن اليأس والقنوط هو أمر واحد أم هو متعدد؟ إذا كان أمر واحد، فلماذا في مكان قال: ييأس من روح الله، كافرون، بينما من يقنطون، ضالون؟! المفروض أن يكون كلاهما: ضلال، وهي أدنى مرتبة من الكفر. فإذا كلاهما، كلا اللفظتين بمعنى واحد، فالمفروض أن تكون النتيجة واحدة. فإما كلاهما كافرون أو كلاهما ضالون.

لذلك البعض قال: لا، اليأس يختلف عن القنوط. القنوط، درجة من الدرجات، فإذا تعمقت وتركزت في نفس الإنسان، وأصبحت حالة يأس، ذاك الوقت، أضحت تنتهي إلى الكفر. هذا قسم. قسم آخر قالوا: لا، الجهة هي جهة الرحمة والروح. ففي الأولى، قال: من يقنط من رحمة الله، ضالون، الثانية: قال: لا ييأس من روح الله، إلا القوم الكافرون. إذن الاختلاف هو بين الروح وبين الرحمة. وعلى أي حال، فكلتا الصفتين، صفتان سيئتان، تنبئان عن نقص إيمان إلى درجة كبيرة، بل إلى نقص معرفة. وهذا أحد الأسباب التي تدعو بعض الناس إلى اليأس والقنوط.

فلماذا إنسان يكون يائسا وآخر يكون راج، شخص يكون قانطا، وآخر يكون واثقا وحسن ظن بالله، واحد من هذه الأسباب: أنه لا يثق بقدرة الله عز وجل، ولا يعرف طريقة تدبير الله. فهما فرعان: فرع علمي، وفرع إيماني. الفرع العلمي، ما هو؟ أن الإنسان لا يعرف كيفية إدارة الله للكون، طريقة تدبير الله للأشياء، على أي أساس وضعت في هذا الكون؟ يتصور أن الله سبحانه وتعالى ما دام خلق هذا الكون، وخلق هذا الخلق، فلا بد أن ينعمهم على طول الخط، وهذا خطأ. فقد خلق هذا الإنسان؛ لكي يقدم امتحانات. والامتحانات: ابتلاءات. والابتلاءات فيها مشاكل. وإذا أنصفك الدهر: فيوم لك ويوم عليك.

لا تتصور أن هذه الدنيا خلقت خضراء، رطبة، مريحة؛ من أجل أن تترفه فيها. فنظام هذه الحياة ليس هكذا. إذا كان في بالك أنك جئت إلى هذه الحياة؛ لكي تتنعم فيها طوال الخط، فأنت واهم، ولا بد أن تغير فكرتك عن الدنيا والخلق. وإذا كنت تتصور أن الله جاء بك إلى هذه الدنيا لكي يجعلها جنتك، فأنت واهم أيضا. فالجنة مكان آخر.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة