لماذا يظلمون غيرهم ؟ ٢٧

لماذا يظلمون غيرهم ؟ ٢٧
00:00 --:--

فأنت، الأمس، لما كنت سائق سيارة تعاتب المشاة! فلما أصبحت من المشاة، تعاتب سائق السيارة. فلا بد أن يكون المقياس واحد. لكن، هنا هو يعاتب سائق السيارة؛ لأنه من المشاة ويعتبر نفسه هو المحور، هو الأهم. ويوم آخر، يعاتب المشاة؛ لأنه هو سائق السيارة.

يكون صف في مكان من الأماكن، خبز على سبيل المثال، صيدلية، "لاين"، فلا بد أن يقف، لكنه يأتي ويريد أن يتقدم إلى الأمام، لماذا؟ لأنه لن يضرهم الآن شيئا، وهو مستعجل، ولديه ظرف خاص، ولا بد أن يذهب بسرعة، فماذا يضرهم لو تقدم عليهم؟ خمس دقائق تضر؟ أو ثلاث دقائق؟ فهنا يرى لنفسه حق التقدم على من كان أمامه في الصف. اليوم الثاني: ينعكس الموضوع، هو يصبح رقم ٣، قليلا، فإذا بواحد آخر، من آخر الصف، أتى لتوه، وتقدم على الجميع، فيذهب إليه ويتعارك معه: ألا تعرف الصف؟ ألا تعرف النظام؟ ألست متحضرا؟ اذهب وقف آخر الصف. فهذا وأمثاله لا يحترمون الناس، وليس عندهم فكرة عن قضية النظام.

وإذا يفكر، يفكر فقط لنفسه، وأنه هو الذي لديه أشغال والتزامات، والواقع أن: بقية الناس أيضا لديهم أشغال والتزامات. فهذا الكلام، لماذا لم تقله لنفسك الأمس؟ ولماذا الأمس عندما تجاوزت الصف، وتخطيت من كان منتظرا، لم تقل: أن الناس أيضا لديهم التزامات، لم تقل: أن "اللاين" والالتزام به حالة حضارية، لما تجاوزت لم تقل هذه الأشياء، ولم تقل هذا الكلام. لكن لما تجاوزوا عليك، قلت هذا كله. معنى ذلك ماذا؟ معنى ذلك: أنك تجعل نفسك المحور. فإذا كنت غنيا، تلوم الفقراء، وأنهم تنابلة، والواحد منهم جامد في مكانه، ولا يشتغل، ولا يتحرك ولا يعمل، ويكون كلا على الناس، وعالة عليهم. اذهب واعمل، فنحن لم نحصل على هذه الأموال إلا بعرق جبيننا. فأنت أيضا اذهب واعمل، لتحصل عليها.

ثم تدور الدورة - لا سمح الله - ويصبح هو الفقير، فيرى الغني - مثلا - لا يعطيه العطاء الذي يريد، وأن هؤلاء البشر هم الذين يكنزون الذهب والفضة بكذا وكذا. فلما تخزن هذه الأموال، ويوم القيامة، تكون عليك، وماذا يضرك لو أعطيت كل فقير ألف ريال!

ولماذا هذا الكلام لم تقله أمس، وقلته اليوم؟ فلما كنت غنيا، كنت تهاجم الفقير، ولما صرت فقير، عدت تهاجم الغني! كل هذه التحولات يختصرها شيء واحد، وهو ماذا؟ أنا المحور، أنا الأساس، إذا أنا مستعجل فليس من نظام، وإذا غيري مستعجل، فلا، ثمة نظام. إذا أنا في السيارة، فالمشاة لا بد أن يحترمون تقدمي، فإذا انعكس الأمر، انعكست الحالة. وعلى هذا، فقس ما سواه.

فهي كلها تركيبة واحدة: أن الإنسان يرى نفسه هو المحور في الحياة، وهو المقياس، وكل شي لا بد أن يترتب على ضوئه هو. فمرة يذهب إلى البيت، وهو متعب، فلا لأحد أن يكلمه أصلا. ومرة، تنعكس المسألة: زوجته هي المتعبة، فيقول: سامح الله نساء هذا الزمان، فليس منهم من تعرف، أو تخدم، أو كذا.

فلماذا الأمس لم تقل عن رجال الزمان نفس هذا الكلام. فأنت ترى قسما من الناس بهذه الحالة، يجعل نفسه المحور. فإذا هو في حالة ضيقة، يريد أن يوسع عليه. وإذا في حالة واسعة، لا يريد أن يوسع على غيره. وهذا أيضا بالنسبة إلى الظالم هكذا. فيرى نفسه أفضل من غيره، وأحسن من غيره، فلا مانع أن يأخذ من غيره، ولا أن يأخذ فرصته، لماذا؟ لأنه هو أفضل، هو أحسن، ولا بد أن تأتي الأشياء له، وهذا أساس من أسس الظلم. فإذا عددت نفسك أفضل من غيرك، آنئذ هذه بوابة من بوابات الظلم، هذا واحد من الأمور.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٤

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة