٢٤ من مظاهر الظلم بين الآباء والأولاد
كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال
لا يزال حديثنا ضمن الحديث عن الأمراض الأخلاقية والصفات السيئة في موضوع الظلم، كفانا الله وإياكم أن نظلم أو نُظلم، فقد ورد في الدعاء: "اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ"، أي: أن أكون فاعلا للظلم، أو أكون ممن وقع عليه الظلم.
وقد تحدثنا في وقت مضى عن بعض مظاهر الظلم التي تحصل من بعض الأزواج لشركائهم في الحياة الزوجية، فقد يظلم الزوج زوجته، وقد تظلم الزوجة زوجها. وقد توعد الله سبحانه وتعالى، الظالم منهما بعذاب شديد، وأنه لا يقبل منه صرف ولا عدل. وقد مرت بنا أحاديث في هذا المجال.
حديثنا اليوم، هو استكمال، لبعض مظاهر الظلم في الأسرة، ثم في المجتمع. ونشير إلى بعض هذه المظاهر، تذكيرا بها، وتحذيرا منها، ولكي نلتفت إلى أننا من الممكن أن يصدر منا مثل تلك الأعمال. وأننا عندما نتحدث عن الظالمين، لا ينبغي أن يذهب إلى ذهن الإنسان إلى ما وقع من ظلم في التاريخ، كظلم بني أمية، وبني العباس، أو ما شابههم. وإنما قد يكون الإنسان، في هذا الزمان، قد يكون المتكلم، ظالما، وقد يكون بعض السامعين يرتكبون مثل هذا الأمر. فعندما يلتفت الإنسان إلى هذه القضية، ربما يتوقى من الاستمرار، في بعض هذه المظاهر.
فيما يرتبط بالأسرة بشكل عام، وبعد الحديث عن الزوجين، يأتي الحديث عن بعض مظاهر الظلم بين الآباء والأولاد. فقد يقوم بعض الآباء بظلم بعض أبنائهم. فيمارسون أعمالا تصنف في دائرة الظلم لابنهم أو ابنتهم. من ذلك مثلا: التمييز الظاهري بينهم. فالتمييز القلبي هذا أمر ليس باختيار الإنسان. أي محبة هذا الأب إلى هذا الولد، الذي قد يكون الأكبر أو الأصغر أو الأوسط، أو هذا الأكثر ملاحة، أو هذا الأسرع طاعة وبرا، هذا أمر لا يستطيع الإنسان أن ينكره، ولا يستطيع أن يمتنع عنه. فمن الممكن أن يفضل في قلبه بعض أولاده من الذكور أو الإناث على بعض.
وهذا لا يحاسب عليه الإنسان، ولا يعد ظلما. ولكن عندما يستتبع هذا التمييز القلبي، تمييزا ظاهريا. فمثلا: أنا عندي حب للولد البكر، فبالإضافة إلى أنني في قلبي أحبه محبة زائدة، أقوم بإعطائه الأموال الأكثر، وأختصه بالاهتمام، وأهمل الباقين، فأكرمه وأهين باقي أخوته، وأشيد به بين الناس، وأهينهم أمام سائر الناس، وأقمع شخصياتهم. فهذا ظلم في حق الباقين.
بل في بعض الروايات، وإن كانت مصادرها عامية، كما ورد مثلا في صحيح البخاري، وهو من مصادر مدرسة الخلفاء، حاكيا عن قضية وقعت لنبينا المصطفى محمد (ص)، ينقلها عنه النعمان بن بشير الأنصاري. والنعمان بن بشير يأتي ذكره عادة في قضية الإمام الحسين (ع)، أنه كان واليا من قبل معاوية على الكوفة أيام ورود مسلم بن عقيل فيها. وأيضا يذكر اسمه في أنه هو الذي تولى إعادة الركب الحسيني من الشام إلى كربلاء ثم المدينة، وهو من القلائل من الأنصار الذين تحالفوا مع الدولة الأموية، وكان في صف معاوية من أيام الإمام أمير المؤمنين (ع). ذكروا عدة أشخاص من شخصيات الأنصار، هؤلاء كانوا إلى جانب معاوية، وتركوا الإمام (ع)، وهذا الرجل النعمان واحد منهم.
يقول كما ورد في ذلك الكتاب: "أَعْطَانِي وَالِدِي عَطِيَّةً" أي: والد بشير أعطاه عطية، "فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رُوَاحَةٍ، لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ"، أي لا بد أن تجعل النبي شاهدا، وإلا أنا غير راضية عن هذه العطية التي أعطاك إياها والدك، "فأتى النبي"، أي بشير، والد النعمان، فلما قالت له زوجته، أنا لا أرضى إلا أن تذهب وتخبر النبي بذلك. أتى الوالد النبي، فقال: "إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُ ابْنِي"، يعني: النعمان، "مِنْ عَمْرَة عَطِيَّةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ"، أي قالت: أنا لا أقبل إلا أن تشهد النبي، وتخبره عن الموضوع.