كيف حفظ الامام الباقر الشيعة والشريعة

كيف حفظ الامام الباقر الشيعة والشريعة
00:00 --:--

فأولا من الناحية الكمية, الإمام الباقر عليه السلام حفظ شريعة جده المصطفى بما أفاض على الناس, على خُلَّص أصحابه الذين ربّاهم تربية مباشرة ونبغ منهم مَن نبغ, ولا نحتاج للذهاب بعيدًا أو قريبا, يكفي أن تعرف أن الإمام جعفر الصادق عليه السلام هو نِتاج تربية الإمام الباقر, فإذا كان تربيته تنتج جعفر بن محمد فيكفي ذلك عن الكلام أكثر من ذلك. وأما أصحاب الإمام الصادق عليه السلام الذين صاروا فيما بعد فقهاء أهل البيت ع. والإمام الصادق ع يترحم عليهم: رحم الله أصحاب أبي, فإنه لولاهم لضاعت أحاديثه واحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله.

 ويذكرون العدد الجمّ من هذه الروايات, فبعضهم عاصر الإمام الباقر ع فقط, وبعضهم عاصر الإمام الباقر ع واستمر إلى أيام الصادق, فأخذوا علما كثيرا جدا.

مدرستا النص والرأي في الأمة

وثانيا؛ وهذا أكثر أهمية, الإمام الباقر عليه السلام شَخّص المنهج الصحيح في القضية الدينية ورفض المناهج الأخرى. وقد تعرضنا ذات مرة إلى أن الأمة الإسلامية في أيامها الأولى زمان الخلفاء الأوائل . تبلورت بذور مدرستين:

-       مدرسة النص

-       ومدرسة الرأي

فمدرسة الرأي والاجتهاد في مقابل النص كان يتبناها الخليفة الثاني بشكل أساسي, ومن خلاله انتقلت إلى عبدالله بن مسعود ومن عبدالله بن مسعود إلى إبراهيم النخعي وربيعة الرأي وأبي حنيفة وهكذا..., هؤلاء يقولون أنه وإن كان يوجد نص في القرآن أو في حديث رسول الله ص, فبإمكاننا الاجتهاد واكتشاف علة أخرى.

وأما مدرسة النص, فيقولون أن كل شيء يحتاجه الناس, فقد ورد فيه إما توجيه من القرآن أو فيه حديث من رسول الله محمد صلى الله عليه وآله, وهذه المدرسة ابتدأت بأمير المؤمنين عليه السلام واستمرت في أبنائه.

والإمام الباقر عليه السلام قام بتحديد تلك المدرسة وأعطاها أبعادًا, فقال بأنه لا يعطي من آرائه ولا اجتهاداته وليس ممن (أرأيت في شيء), وإنما هي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وَعِلمٌ ورثه من رسول الله ص وأصولُ علمٍ يتوارثها كابرا عن كابر. فهذه ليست قصية اجتهاد وآراء تحتاج للتفكير قليلا قبل إعطاء حكم!, لا.

فكرّس الإمام الباقر عليه السلام هذا المعنى , فحمى الشريعة في خطّها الإمامي من الانفلات وضياع الحدود.

وهكذا كان دوره في حفظ الشيعة من جهة وحفظ الشريعة من جهة أخرى, فسلام الله على أبي جعفر الأول محمد بن علي الباقر صلوات الله وسلامه عليه الذي قام بهذه الأدوار وغيرها حتى لقد أقرّ له واعترف بتقدّمه وإمامته العلميَّين حتى مَن لم يكن من شيعته, هذه من خصوصيات الإمام الباقر ع والإمام الصادق ع من بعده, أن مُعاصِريه كثيرا ماكنوا يُقِرُّون بتقدّمِه العلمي وإمامته الفكرية حتى وإن لم يؤمنوا بإمامته العقائدية. ومن الطبيعي أن مثل هذا الأمر لا يرتاح له الجهلة ومَن يرى أن تسلُّطَه على الناس إنما يستمر إذا بقي الناس في الجهل, فهؤلاء يُعادون مَن ينير طريق الناس ويعرّفهم دربهم, ولذلك كان أولئك الحكام الأمويون يرون الأئمة عليهم السلام بمثابة العظم المعترض في حلوقهم مع أن أئمتنا عليهم السلام في هذه الأدوار كما ذكرنا لم يفجّروا ثورة ولم يحمِلوا سلاحًا ولم يخرجوا معارضين لحكمهم, ولكن لأن وجود الإمام كان يراه الحُكّام وجودًا بغيضا على قلوبهم, ويرونه أيضا منافسا لهم في محبة الناس واجتذاب قلوبهم, فكان أولئك الحُكّام يُعدون العدة للتخلص منهم, ولا سيا إذا ظهر فضلهم.

والروايات التاريخية تصفُ الإمام الباقر ع في أواخر عمره بأنه كان بادِنًا, لذلك عندما يخرج للعمل في ضيعته كان يتوكّأ مع كِبَر سنِّه, وهذا فيه درس , فمع وجود من يكفيه العمل إلا أنه عليه السلام كان يعمل حتى أن قال له أحدهم يا أبا جعفر أين الغلمان والرجال؟ فيهم من يكفيك؟, قال عليه السلام: بلى ولكني أحب أن يراني الله متعرضا لرزقه فقد عمل بيده من هو خير مني, قال السائل من؟, قال عليه السلام: جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي علي بن أبي طالب ع. هؤلاء كانوا يعملون بأيديهم ولستُ بِدعًا من ذلك.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٣

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة