من معالم المذهب الشافعي وآرائه
تفريغ نصي الفاضلة أمجاد عبد العال
بسم الله الرحمن الرحيم: (واذكروا نعمة الله عليكم إن كنت أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا).
تقرر هذه الآية المباركة مبدأ الإخوة الدينية بين المسلمين بعدما كانوا من دون الدين أعداء، وتعتبر هذه الحالة من الألفة والأخوة، من النعم التي تستحق أن تذكر، فتشكر. ومع أن الله سبحانه وتعالى يعلم أن هذه الأمة ستصير فيها مذاهب وفرق، وستختلف في أفكارها إلا أنه مع ذلك يقرر أن هؤلاء إخوة، وأن رابطة الدين تجمعهم، وإن اختلفت بعض الآراء المذهبية فقهية كانت أو عقدية.
ولذلك ينبغي أن ينظر إلى كل علاقة مخالفة لعلاقة الأخوة على أنها على غير مراد الآية المباركة. الأخوة الحقيقية النسبية لا تقتضي التشاكل في كل الجهات وإنما قوامها أن الأخوة، هم من أب واحد، أو من أب وأم. أما بعد ذلك، فقد يختلفون طولا وعرضا ولونا وتقاطيع وأفكارا وسلوك حياة، وهذه الاختلافات في البدن أو في الآراء ما دام يجمعهم في الأخوة الحقيقية النسبية الأب، أو الأب والأم، فإن تلك الاختلافات لا تؤثر في تلك الأخوة. كأن وجه المشابهة هنا أن هؤلاء ينتمون إلى الدين والدين كما ذكرنا في وقت سابق مقومه ثلاثة أشياء: الاعتقاد بالتوحيد، والاعتقاد بنبينا محمد – اللهم ل على محمد وآل محمد – والاعتقاد بيوم القيامة. وهذه عناصر مشتركة في كل المذاهب. فما دام هذا الرابط الديني موجودا، وإن اختلفت الآراء والأفكار، كما في الأخوة الحقيقية النسبية، كذلك هو الحال في الأخوة الدينية، التي يعتبرها القرآن الكريم، بين أهل الإسلام، ولذلك ينبغي العمل على تدعيم هذا المعنى قدر الإمكان، وأن لا يقبل بعلاقة أخرى، غير علاقة الأخوة الدينية، وأن الاختلاف المذهبي لا ينبغي أن يفصم عرى الأخوة، وأن يلغي آثارها، وضمن هذا الإطار، نحن نتحدث عن هذه المذاهب، خارج إطار مدرسة أهل البيت (ع)، وداخل الإسلام، الذي يجمع الجميع، ونتمنى لو أن بقية المتحدثين من سائر المذاهب الإسلامية، تعاملوا بنفس الطريقة، فكما عرفوا مذهبهم الخاص، عرفوا المذهب المجاور لهم، المشارك لهم في الدين، المجاور لهم في الجغرافيا، سواء كان من مدرسة الخلفاء لكن يختلف عن مذهبهم، أو كان من مذهب الإمامية، لا مانع أن يتعرف المسلمون على هذه المذاهب في أفكارها، حتى يعرف وجه الاتفاق وهو كثير، وتعرف حدود الاختلاف أيضا بين هذه المذاهب.
وقد وصل بنا الكلام إلى الحديث عن المذهب الشافعي، حيث نتناول في هذه الليلة، شيئا مختصرا عن وضعه العام الجغرافي، وعن بعض آرائه وتوجهاته.
المذهب الشافعي كما ذكرنا، في وقت مضى، له نسختان: نسخة تسمى: المذهب القديم للشافعي، والأخرى: المذهب الجديد، أو الرأي الجديد، الأول، القديم، ينتمي إلى فترة العراق والمدينة، يعني إلى ما قبل سنة ١٩٩ هجرية، وفي هذا المذهب القديم، والرأي القديم، يظهر تأثر إمام المذهب الشديد بآراء أستاذه مالك ابن أنس، الذي كان يعد من ضمن مدرسة الحديث، والنص. طبيعي أن الطالب يتأثر كثيرا بأستاذه في اختياراته، حتى إذا اشتد عوده، وانفتح على مدارس أخرى، وصارت عنده توجهات جديدة، ربما وجد نقائص وأخطاء في رأي أستاذه، فترك آراء أستاذه إلى غيرها.
الإمام الشافعي إلى ما قبل وجوده في مصر، كان قد صنف وكتب وأفتى على طبق رأيه القديم، والذي يعتمد في الغالب على الروايات والأخبار تأثرا بمسلك أستاذه. فيما بعد، على أثر دراسته مع محمد بن الحسن الشيباني، حيث بقي في بغداد، فترة من الزمان، وأخذ العلم عن الشيباني وغيره، والشيباني هو ثاني ألمع طالب وتلميذ إلى أبي حنيفة، وأكبر تلامذة أبي حنيفة فضلا على مذهبه، من حيث التصنيف والتأليف والكتابة، هي من نتاج محمد بن الحسن بن محمد الشيباني، في هذه الفترة، يظهر أن الإمام الشافعي تأثر إلى حد بالمنهج العام في فقه أبي حنيفة، طرق الاستدلال، إنشاء قواعد، ابتكار كليات، تكون بمثابة واسطة للوصول إلى النتيجة، وهذا سوف نلاحظ فيما بعد أنه كثر عنده، في المذهب الجديد، ما يسمى بتقعيد القواعد. جعل قواعد، وكليات بمثابة مرجع يرجع إليه، مثلا: ذكروا في مثل هذه القواعد الأصلية: أن الأمور بمقاصدها، وهذا استنبط ربما من ما روي عن رسول الله: "إنما الأعمال بالنيات". وهذا طبق في أمور العبادة، وفي أمور المعاملات، وأن جهة العمل يمكن أن تحددها نية الإنسان ومقصد من يقوم به، هذا صارت قاعدة. وبعد في كل مكان كانت المسألة الفرعية ترتبط بهذا الموضوع، يقول: لأن الأمور بمقاصدها، خلاص، هذا صار دليل مهيأ ومرتب. أو مثلا عندما أسس، مثل: أن العادة محكَّمة، العادة محكمة، مثل ما هو عندنا في المذهب الإمامي: الرجوع إلى العرف، لو مثلا قيل لك يجب عليك أن تطعم زوجك، عليك إطعامها وعليك كسوتها، تقول: بماذا؟ بشنو أكسوها؟ بكم ريال؟ يقال لك: بالرجوع إلى العرف. في زمن قبل ٢٠٠ سنة مثلا: ربما نمط معين ومقدار معين من النفقة كان يكفي، الآن يحتاج إلى شيء آخر، نظرا لأن العرف يرى أن هذا المقدار كافيا ويرى أقل منه غير كافي.