من جملة ما كتب، كتب مخالفا فكرة الاستحسان، فصل كامل، في كتاب الأم، يبرهن فيه على أن الاستحسان فكرة غير صحيحة، ولا يوجد دليل عليها، ولا ينبغي العمل بها، خلافا لما ذهب إليه إمام المذهب المالكي. هذي مثلا من الأمور التي خالف فيها أستاذه. وكتب كتابا، بعنوان: الاختلافات مع مالك، آراءه المختلفة مع مالك، واستدل فيها على صوابية رأيه وخطأ رأي أستاذه، وهذا مما أثار عليه المالكية، لا سيما في مصر كما ذكرنا في وقت مضى. حتى إن مثلا نقل عن أن أحد تلامذة مالك، وهو أشهب، كان يدعو عليه بالموت كما نقلوا، هذا مخالفاته لأستاذه مالك.
مخالفاته أيضا صارت عنده لمنهج أبي حنيفة، وكتب كتابا مخالفا لهم، وهو كتاب: الحجة في بيان لزوم الاعتماد على السنة النبوية وكثرة العمل بها، خلافا لما كان يفعله المذهب الحنفي، اللي قلل من الاعتماد على السنة النبوية، لأسباب ذكروها، وحصرها بشروط معينة. من اختلافاته معهم أيضا: ضيق دائرة القياس، قال: القياس مو بهالعرض العريض، اللي لازم واحد، في الموارد المختلفة يستدل بالقياس. وإنما في مورد، وهو: ما إذا كانت العلة منضبطة. أكو احنا ذكرنا عند الحديث عن المنهج الحنفي، ذكرنا أحيانا العلة تكون منصوصة، من قبل الشرع، واردة في القرآن الكريم مثلا، أو واردة عن النبي، أو في رأي الإمامية، واردة عن المعصومين. فهنا، ما دام العلة منصوصة، عرفناها، نجي نطبقها في الأماكن المختلفة، أي مكان هالعلة موجودة، الحكم موجود، هالعلة ما موجودة، الحكم ما موجود. طيب. وأكو علة أخرى، هي العلة المستنبطة، أن الفقيه يستنبط أن علة تحريم الرضاع، هو: دخول الحليب إلى جوف الإنسان، أو يستنبط أن علة العدة في المرأة المطلقة، هو قابليتها للحمل. فإذا لم تكن قابلة للحمل، فإذن تستطيع أن لا تعتد، هذه العلة علة مستنبطة، مستنتجة، وقلنا إن الإمامية لا يقبلون هذا النوع من العلل المستنبطة، إلا في حالة، كما ذكر، مثل هذا أيضا، الشافعية، إذا رأينا أن هذه العلة منضبطة، يعني كل مكان سوينا استقراء، شفنا إذا هالعلة موجودة، الحكم موجود، إذا العلة ما موجودة، هذا الحكم مو موجود. إذا شفنا هذا الأمر، بإمكاننا ان نحكم. هذا يسمونها: العلة المنضبطة، في الشافعية، ويعملون على طبقها. هذا أيضا من مخالفاته لبي حنيفة.
فمن مخالفاته أيضا: أن أبا حنيفة، كان لا يعمل إلا بالخبر المشهور فيما تعم به البلوى، أما إذا خبر واحد، جابه شخص واحد، وكانت المسألة مما يبتلى بها عامة الناس، لم يكن يعمل به. هو الشافعي قال: لا، إذا جاء الخبر بطريق معتبر، نحن نعمل به، سواء كان مشهورا أو ليس مشهور. وهناك جهات أخرى، خالف فيها، واتفق مع هؤلاء في مثل مسألة: المصالح المرسلة، عنده أيضا كلام، وفي غيرها، لا نطيل الحديث في هذا المقدار.
المذهب هذا بحسب أنصاره، بحسب بعض الكتاب من نفس المذهب، يقولون: أنه أوسع المذاهب انتشارا، من حيث الجمهور في مدرسة الخلفاء، طبعا نظرا لأن القائل هو واحد من أتباع المذهب الشافعي، فلا بد من ملاحظة هذا الأمر، يعني ما يقبل هذا الكلام على علاته، لأنه عادة الإنسان بالتالي مهما كان يميل إلى نصرة مذهبه. وإن كانت قضية أن هذا المذهب أتباعه أكثر، أو ذاك المذهب أتباعه أقل، هذه لم تكن ميزانا لكونه هو الصحيح والحق، وإلا لو كان كذلك، لكانت البوذية أكثر أحقية من الإسلام، البوذية أكثر نفوذهم من الإسلام، دي خلي بس الصين من صوب، ترجح بغيرها، فضلا عن باقي الأماكن، طيب. والمسيحية أيضا، أعدادهم اكر من المسلمين،فهل معنى ذلك أن الكثرة هنا، دليل على الصوابية، ولكن هم يذكرون هذا، نظرا لأنهم يقولون: أن مناطق الكثافة السكانية في العالم الإسلامي، هي شافعية المذهب، مثلا: جنوب شرق آسيا، أندونسيا، المذهب الشائع فيها هو: المذهب الشافعي كما يقولون. ماليزيا: أيضا ذكروا نفس الكلام، فلبين، جاوا، هالمناطق هذي، في مدرسة الخلفاء، المذهب الشائع كما ذكروا هو: المذهب الشافعي في هذه المناطق. في الجمهوريات الروسية، وإن كانت الدولة العثمانية، عندما وصلت إلى هناك حاولت أن تنشر المذهب الحنفي، إلى أنهم يذكرون أن المستوى العام، عند الناس، هو المذهب الشافعي. في مصر مثلا أيضا كذلك، في بعض البلدان العربية: الشام، فلسطين، هذه المناطق، يقولون: المذهب الشافعي هو المنتشر أكثر من غيره، من المذاهب الأربعة. وقد يساعده على هذا الامر: أنه متوسط بين مذهبين، بين مذهب الحديث وبين مذهب الرأي، فهو جالس في النص حسب التعبير، يأخذ من هذا بعض ميزاته، ويجتنب مشاكله، ويأخذ من ذاك بعض ميزاته ويجتنب ما فيه مثلا مما يعتبره من الأخطاء. لكن، قلنا: أمر الصحة وعدم الصحة، لا ترتبط بالكثرة والقلة، ولذلك نتعجب من قسم من الناس عندما يقتتلون على بيان أن هذا المذهب أتباعه مو كثير، وأن ذاك المذهب أتباعه كثير. خير إن شاء الله، خليه يكون.