الشك : أقسامه والموقف منه ١٩

الشك : أقسامه والموقف منه ١٩
00:00 --:--

أن يستقبل هذا. أنت لاحظ الأمر في الحالة العادية. الإنسان الذي لديه احتقان - هذا مثال جدا حي وواضح - في فمه وفي حلقه، ليست فقط رائحة فمه غير حسنة، بل حتى الطعام الذي يأكله ليس مطعوما. فلو تعطه طعاما طيبا لا يحس بطعمه الحقيقي. فبدل أن يستطعمه باعتباره لذيذا وجيدا، قد يأنف منه ويرفضه. بينما أنت الصحيح البدن، عندما تأكل نفس هذا الطعام، تستلذه وتستطيبه.في الموضوع المعنوي أيضا هكذا. آية واحدة، آية بينة، ذات وضوح وهدى، هذا الذي في قلبه الهداية يجد فيها دليلا إضافيا على الحق. وذاك بالعكس، يجد فيها شكا إضافيا. (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ)، قال: "شَكًّا إِلَى شَكِّهِم". فالموقف - من خلال الآيات المباركات - موقف سلبي لا يستحسن الشك. وهذا

مهم أن نؤكد عليه، لماذا؟ لأنه في الفترة الأخيرة المعاصرة، شاعت ثقافة - وسنتحدث عنها إن شاء الله في المستقبل - أعطت قيمة كبيرة للشك. فأصبح الإنسان الذي يشكك، ولديه تساؤلات في أصل المبدأ والأفكار، يتبين أنه مفكر مهم، وشخص عنده علم كثير. فأعطيت قيمة غير حقيقية لصفة الشك. كأن الشك شيء ممتاز جدا. التشكيك في الأمور، يبين كم هذا مثقف جدا، كلما زاد تشكيكه. لا، القرآن الكريم، يقول: هذا رجس. (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ). بل اعتبره الإمام الصادق لتفسير ثالث، لآية مباركة، أنه ظلما، وليس فقط رجسا، وإنما ظلم فوق كونه رجسا. في تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ)، قال: "بِشَكٍّ". مؤمن، ولم يجعل في إيمانه ظلما. الظاهر من هذا: ظلم يعني: اعتداء. بينما هنا الإمام

(ع) يفسرها بماذا؟ بالشك. مؤمن ولم يجعل في إيمانه شكا. وفي المقابل، إعطاء القيمة الكبرى لليقين، فعن مولانا أمير المؤمنين (ع)، في مقام الاعتزاز والافتخار، يقول: "مَا شَكَكْتُ فِي الحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ، وَإِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَغَيرِ شُبْهَةٍ مِنْ دِينِي". أنا ما شككت أبدا. لو كان الشك شيئا جيدا، وخصلة علمية مهمة لكان أولى بها أمير المؤمنين (ع)، يقول: لا، أنا ما شككت في الحق مذ أريته، وأنا لدي البينات ولست على شبهة أبدا. لماذا؟ يقول: "الشَّكُّ يُطْفِئُ نُورَ القَلْبِ، وَثَمَرَةُ الشَّكِّ الحِيرَةُ، وَلَنْ يَضِلَّ المرْءُ حَتَّى يَغْلُبَ شَكُّهُ يَقِينَهُ"، ما دام يقينه هو الغالب على الشك، لا يمكن أن يضل. وفي الصحيفة السجادية نقرأ - وهذه إشارة أن الصحيفة السجادية وأمثالها من الأدعية ليست مجرد كلام للدمع، وإن

كان هو طريق إلى الخضوع إلى الله، لكن بالإضافة إلى جانبها الروحي التخضيعي للنفس، فيها معرفة، فيها ثقافة، فيها علم - في المناجاة المروية في الصحيفة السجادية، يقول: "وَأَزْهِقْ البَاطِلَ عَنْ ضَمَائِرِنَا وَأَثْبِتْ الحَقَّ فِي سَرَائِرِنَا"، لماذا؟ "لِأَنَّ الشُّكُوكَ وَالظُّنُونَ لَوَاقِحُ الفِتَنِ"، تلقح الفتنة، "وَمُكَدِّرَةٌ لِصَفْوِ المنَائِح وَالمنَن". نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من المستيقنين المؤمنين، الذين لا تزيدهم الآيات إلا هدى ومعرفة وإيمانا، إنه على كل شيء قدير وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة