سلسلة الأمراض الأخلاقية الشك أقسامه والموقف منه بسم الله الرحمن الرحيموالصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمينالسلام عليكم أيها الأخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاتهفي الخبر عن مولانا أمير المؤمنين، سلام الله عليه، أنه قال: "عَلَيكَ بِلُزُومِ اليَقِين، وَتَجَنُّبِ الشَّكِ، فَلَيسَ لِلْمَرْءِ شَيْءٌ أَهْلَكَ لِدِينِهِ مِنْ غَلَبَةِ الشَّكِ عَلَى يَقِينِهِ". توصية من الإمام (ع) بأن يتجنب الإنسان الشك ويلزم اليقين. بمعنى: السعي وراء مقدمات اليقين، وتجنب مقدمات الشك. عندما أقول لك مثلا: عليك بالسلامة في قيادة السيارة. فالمقصود من ذلك: وفر مقدمات السلامة. استخدم مثلا: حزام الأمان، التزم بالإشارات المرورية، توقف عند الإشارة الحمراء، وهكذا. عندما تلتزم بهذه المقدمات، ينتج عن ذلك السلامة أثناء القيادة. كذلك عندما يقول الإمام (ع): الزم
اليقين. معنى ذلك: هيء مقدمات الاستيقان، من الوعي والمعرفة – مثلا - والتأمل، ولزوم الأفكار السليمة، وما شابه ذلك. تجنب الشك، يعني: هيء المقدمات التي ترفع عنك الشك، عالج ما يصنعه الشك في نفسك. لماذا؟ يقول الإمام (ع): "فَلَيسَ لِلْمَرْءِ شَيْءٌ أَهْلَكَ لِدِينِهِ مِنْ غَلَبَةِ الشَّكِ عَلَى يَقِينِهِ". ليس هناك أمر مهلك للدين كما هو غلبة الشك والظن على اليقين. عندما يفسد يقين الإنسان، يفسد يقينه بالله عز وجل – مثلا - وأنه على كل شيء قدير، وأنه حلال لكل مشكلة، وأنه رزاق لكل دابة. عندما يفسد يقين الإنسان بهذا المعنى، يقل توكل الإنسان على ربه، يقل اعتماده عليه، فيروح يطرق أبواب غير الله عز وجل. عندما يفسد يقينه بعباداته مثلا، أنه ما الداعي إلى هذه العبادة؟ ما هو المبرر
لذلك العمل العبادي؟ إذا غلب الشك على اليقين، فأصبح غير واثق من فائدة الصلاة، غير واثق من فائدة الصوم والحج، فلا يعود ينبعث إليها ولا يتحرك باتجاهها، "فَلَيسَ لِلْمَرْءِ شَيْءٌ أَهْلَكَ لِدِينِهِ مِنْ غَلَبَةِ الشَّكِ عَلَى يَقِينِهِ". ضمن حديثنا عن الأمراض الأخلاقية، سوف يكون لنا حديث عن موضوع الشك باعتباره أحد الأمراض الأخلاقية التي تعرض على نفس الإنسان، فتفسد هذه النفس. تعرض على الدين، فتفسد الدين. تعرض على العلاقة الزوجية، فتفسد العلاقة الزوجية، تعرض على معرفة الإنسان بالناس، فتفسد علاقته بهم. لذلك سيكون لنا بعض الوقت في استعراض هذه الصفة الأخلاقية المذمومة، ونبين بعض الجوانب المرتبطة بها. أصل كلمة الشك، في تعريفها، قال ابن فارس، صاحب كتاب معجم مقاييس اللغة، وهو من اللغويين المتميزين بطريقة عنده، وهي: أنه يُرجِع الكلمات
المختلفة إلى معنى واحد، ثم يقول: هذه الكلمات ترتبط بهذا المعنى. مثلا: يأتي إلى كلمة: جَنَنَ، جنَّ، يقول: هذا يشير إلى معنى فيه خفاء واختفاء، ثم يقول: الجن، سمي بالجن؛ لأنه ماذا؟ يختفي عن الأنظار. الجنين، سمي بالجنين أيضا لأنه ماذا؟ داخل البطن. الجنة، سميت بالجنة لماذا؟ لأن الأشجار النابتة فيها تحجب ما بداخلها. وهكذا يبدأ يوزع هذه الكلمات بناء على المعنى الواحد. مثلا قد يكون لها أصل واحد، وقد يكون لها أكثر من أصل. الشك أيضا، عندما يأتي ويتحدث عنه، يقول: الشك أصل واحد، وهو يشير إلى معنى تداخل، دخول شيء في شيء، أو على شيء. ومنه الإبرة تشك الثوب، فتدخل فيه. والقشة - على سبيل المثال - تشك رجلك يعني ماذا؟ تدخل فيها. والشك نفسه يعني: أن هناك
ظن، وهم يدخل على يقينك. ويقولون: جاء وهو شاك السلاح، يعني: السلاح عليه، أدخله ثيابه، علقه فيها، وهكذا. فالشك معنى فيه تداخل، دخول شيء في شيء، أو على شيء. فالشك يأتي بوهم، ظن، ويدخله على اليقين، فيفسده. يدخله على القلب المستقر، فيجعله متغيرا ومترددا. هذا أصل معنى الشك. كما ذكرنا، قد يعرض على أمور متعددة، ونحن اخترنا منها أربعة عناوين؛ للحديث عنها، ليس في هذا الحديث، وهذه الجلسة، وإنما على عدة جلسات إن شاء الله. قد يعرض الشك على المبادئ والأفكار. الإنسان - على سبيل المثال - يعيش حياته الدينية العادية، فيحصل له شك، إما بشبهة من الشبه أو بإثارة من الإثارات. في قضية من قضايا المبادئ، من يقول: أن الله موجود، مثلا؟ بالنسبة إلى كثير من الناس، هذه لا