الشقشقية توثيق ٣٠ سنة من تاريخ الاسلام ٢٠

الشقشقية توثيق ٣٠ سنة من تاريخ الاسلام ٢٠
00:00 --:--

أما في وصف الإمام لهذه الخلافة فيقول: (إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خِضْمَةَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ) ففي هذه الخلافة كما يصف الإمام عليّ عليه السلام أضحت السيطرة والاستئثار وأخذ الأموال العامة للمسلمين هي المعلم البارز وكان رائد ذلك الخليفة الذي لم يُلاحظ الضرب على أيدي الآخرين إلى أن يقول الإمام عليه السلام : (إِلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ).

*في الفترة التي أعقبت أمير المؤمنين عليه السلام يقول فيها:

(فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ وَشُقَّ عِطْفَايَ مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالْأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ وَمَرَقَتْ أُخْرَى وَقَسَطَ آخَرُونَ)

وبعد الخليفة الثالث اجتمع الناس حول أمير المؤمنين عليه السلام يطلبون البيعة فلما أمسك الإمام يده أبسطوها حتى وطئ الحسنان وشُق عِطْفه من كثرة الناس حوله، فلما نهص بالأمر نكثت طائفة وهم أصحاب الجمل الذين بايعوا الإمام ومع ذلك نكثوا بيعتهم وقسطت _أي خالفت العدل وارتكبت الظلم_ أخرى وهم أهل الشام ومرق آخرون كما يمرق السهم من الرمية وهم مرقوا عن الطاعة والدين وهم الخوارج، ولكن ماهي دوافعهم يقول في ذلك الإمام عليه السلام: ( كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ بَلَى وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا وَلَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا) يتبين من كلامه عليه افضل التحية والسلام أن الدوافع التي دفعت هؤلاء هي دوافع دنيوية مادية ولم تكن لطلب الثأر أو لإصلاح دين وكان موقف أمير المؤمنين عليه السلام من ذلك أن قال: (أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَمَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَلَا سَغَبِ مَظْلُومٍ لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ) أي لولا هذه المسؤولية الدينية والشرعية التي أُلقيت على عاتق أمير المؤمنين عليه السلام من الذين طلبوا منه البيعة لما كان راغب في الإقدام على هذا الأمر لأن الدُنيا عند أمير المؤمنين لا تستحق ولا تساوي شيئاً ويُشبهها بعفطة العنز وهي الرُذاذ الذي يخرج من أنف الماعز كما العُطاس عند الإنسان.

*ويصف الإمام حاله في بعض فقرات هذه الخطبة قائلا: (فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ وَشِدَّةِ الْمِحْنَةِ) خمسٌ وعشرون سنة هي الفترة التي قضاها أمير المؤمنين عليه السلام وهو في حالة التُراث المنهوب ففي بعض الأحيان الإنسان قد يُنهب منه بُستانه وهذا الناهب قد يهتم بهذا البستان ويعتني فيه ليزدهر ويستمر في إعطاء الثمر في هذه الحالة يكون الألم في الصاحب الأصلي لهذا البُستان أخف وطأة مما لو كان البستان منهوب والناهب مهمل لهذا البستان فتموت الأشجار وينقطع الثمر فيه وتذهب الجهود سُدىً ، كذلك أمير المؤمنين عليه السلام يرى تُراثه منهوباً ولا يُقام فيه بالتي هي أحسن حتى أن العثار والأخطاء قد كَثُرت فيه والأحكام الشرعية قد تغيرت حتى إذا وصلت الخلافة إليه لم يستقر فيها أيضاً بسبب ذات الخط الذي أبعده عن الخلافة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآلة طول هذه المدة سعّر الحروب أيضاً في خلافته.

*من خلال هذا العرض تبيّن ما هو الدافع الذي يدفع قسم من عُلماء المدرسة الأخرى لإنكار أصل نهج البلاغة بل أحياناً لإنكار خصوص هذه الخطبة منه كما نقل السيد محسن الأمين العاملي رحمه الله عن الأمير شكيب أرسلان وهو أحد الكتاب المعروفين في عالم المسلمين يقول إن الدافع وراء إنكار هذه الخطبة هو مضمونها فلو كان هذا المضمون أخلاقي أو عقائدي عاماً حول صفات الله لما استنكرها هؤلاء ولما نُفيت عن الإمام عليّ عليه السلام ولكن هذه الخطبة الشقشقية تحتوي على قضايا إذا ثبت أنها عن عليّ وفُهم مضامينها لابد لعالم المدرسة الأخرى أن يتخلى عن كثير من قناعاته وهذا مالا سبيل إليه .

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة