الشقشقية توثيق ٣٠ سنة من تاريخ الاسلام
كتابة الأخت الفاضلة زهراء محمد
قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: (أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَمَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَلَا سَغَبِ مَظْلُومٍ لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز.
قَالُوا وَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ خُطْبَتِهِ فَنَأوَلَهُ كِتَاباً قِيلَ إِنَّ فِيهِ مَسَائِلَ كَانَ يُرِيدُ الْاِجَابَةَ عَنْهَا فَأَقْبَلَ يَنْظُرُ فِيهِ [فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ] قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوِ اطَّرَدَتْ خُطْبَتُكَ مِنْ حَيْثُ أَفْضَيْتَ . فَقَالَ: هَيْهَاتَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ).
*سبب تسمية هذه الخُطبة...سُميت هذه الخطبة بالشقشقية نسبة إلى آخر مقطع من كلام أمير المؤمنين عليه السلام وهو قوله: (تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ) والشقشقة في اللغة تعني زبد يُخرجه البعير من داخل جوفة إلى فمه والإمام عبّر عنها بالشقشقة لأنه خرجت من وجدانه عليه السلام من غير تخطيط ولا ترتيب كأنما هو بوحٌ ترقرق على سطح الكَلِم.
*دلائل إثبات هذه الخُطبة لأمير المؤمنين عليه السلام...
تعرض كتاب نهج البلاغة للإنكار وعدم صحة نسبته للإمام عليّ عليه السلام من قِبل بعض عُلماء مدرسة الخلفاء وبالخصوص هذه الخُطبة نظراً لاحتوائها على مضامين لا تتناسب مع معتقدهم فالبعض نسب النهج للشريف الرضي أي هو من كتبه وألّفه وبعضهم للشريف المرتضى وآخر اكتفى بالإنكار فقط. أما بالنسبة للإمامية وعموم الشيعة والمحققون من أتباع مدرسة الخلفاء والعارفون بأساليب اللغة العربية يؤكدون أنّ النهج للإمام عليّ عليه السلام وأنّ هذه الخُطبة أيضاً هي للإمام عليه السلام وفيما يلي بعض ما ذُكر في إثبات ذلك:
*ذكر العلامة المحقق المرحوم الخطيب السّيد عبد الزهراء الحُسيني في كتابه المُعنون باسم ( مصادر نهج البلاغة و أسانيده ) المطبوع في ٨ مجلدات أو أكثر بحسب اختلاف الطبع مادة ممتازة لمن أراد البحث في هذا الموضوع، فبدأ أولاً بذكر من أرّخ خُطب الإمام عليّ عليه السلام وكلماته قبل ولادة الشريف الرضي بقرون مثل التابعي زيد الجُهني الذي نقل في كتابه خطب وكلمات أمير المؤمنين عليه السلام وهو متوفى سنة ٩٢ه وبين هذه السنة والسنة التي توفي فيها الشريف الرضي الذي يُدعى أنه من أَلّف هذه الخُطب ثم نسبها للإمام ٣ قرون حيث أن الشريف الرضي متوفى سنة ٤٠٦ه، وكذلك نُقل عن مسعدة ابن صدقة وهو من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام مما يعني ذلك قبل ولادة الشريف الرضي بقرنين من الزمان.
* وأما بخصوص هذه الخطبة الشقشقية والتي تُسمى أحياناً بالمُقمصة نظراً لقولة عليه السلام: (أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَا يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ وَلَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ) فقد ذكرها العديد من العلماء من بينهم الشيخ ابن ميثم البحراني الذي له ثلاثة شروح على نهج البلاغة منها الصغير والمتوسط والكبير وقال في بعض هذه الشروح : ( إنني أنا ميثم رأيت هذه الخُطبة في كتاب الإنصاف لابن قبا وهو متوفي قبل ولادة الشريف الرضي) فإذا كانت هذه الخطبة مُدونة قبل ولادة الشريف الرضي فكيف يكون هو الذي كتبها!!
وكذلك ذكر أنها موجودة بخط أبا الحسن ابن الفرات وهو وزير من وزراء المقتدر العباسي المتوفى سنة ٣٢٠ه مما يعني ذلك قبل ولادة الشريف الرضي بـ ٣٥ سنة فلا يُعقل بعد ذلك أن يكون الشريف الرضي هو الذي ألّفها ونسبها للإمام عليه السلام.