أيضا، في جهة أخرى، وسعت الروايات موضوع البخيل إلى من بخل بالصلاة على النبي محمد (ص). اللهم صل على محمد وآل محمد. ففي الخبر عن رسول الله (ص): "الْبَخِيلُ حَقًّا مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ". اللهم صل على محمد وآل محمد. وهذا في الواقع أيضا تعبير فيه دقة متناهية: أن في الإنفاق المالي، يخسر الإنسان بعض ماله عادة. فلو كان لديك ١٠٠، وأنفقت منها ٥٠، أي أعطيتها. فأنت هنا - بحسب الظاهر - أنقصتَ مالك، أي نقص من جيبك مال بمقدار معين. فقسم من الناس، يمتنع عن هذا، كأن له تبرير.
حسنا، عندما يذكر رسول الله (ص)، فلا تصلي عليه، ما هو خسرانك؟ ما الذي ستخسره لو صليت على محمد وآل محمد؟ اللهم صل على محمد وآل محمد. فكأنما ذاك الشخص الذي - بحسب الظاهر - عندما يخرج شيئا من المال، يشعر أنه سيخسر شيئا، فيتراجع كأنه معذور؛ لشعوره بالخسران. هو هنا لا عذر له؛ لأنه لن يخسر شيئا.
ومثل ذلك: التوسعة في باب آخر اجتماعي، وهو: البخل بالسلام. فعندما يبخل الإنسان بسلامه على الآخرين - وهناك قسم من الناس، كأنما إذا مر على جماعة وسلم عليهم، قد خسر مالا، أو أسهم، أو فقد يدا، أو غير ذلك! الحالة العادية للإنسان، أنه إذا مر على جماعة - لا سيما إذا كان معروفا بينهم أو كانوا يستقبلون السلام منه - يسلم عليهم. فماذا يضرك لو سلمت عليهم؟ قسم من الناس يمر فلا يسلم! وأحيانا، لو سلمت عليه، يرد عليك كأنما روحه تُنتزع. ماذا تخسر الآن وأنت ترد السلام؟ لا سيما إذا كان لهذا خلفيات، مثلا: مذهبية، أو سياسية، أو غير ذلك.
هذا السلام هو شعار المسلمين، وتحية الله للناس، وجنة الله هي: دار السلام. هذه التحية الدنيوية والأخروية التي اختيرت للمسلمين، هي هذه التحية: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ). وهنا أيضا في هذه الدنيا نفس الشيء. وفيها ثواب أيضا. فأنت ليس فقط لن تخسر شيئا، بل ستربح أشياء. ليس فقط لن تنفق من جيبك شيئا، بل سيملأ جيبك ثواب. البادئ بالسلام له من الدرجات شيء كثير. ففي الرواية عندنا، عن النبي (ص)، أنه قال: "أَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ"؛ نظرا لأن هذا الإنسان لا يخسر شيئا، بل هو يربح. ومع ذلك هو لا يسخو ويضن بذلك.
فالبخل قد يكون بخل مال، وقد يكون بخل عواطف، وقد يكون بخل تفاهم واتفاق. وهذه أمور - إن شاء الله - نتعرض لها في حديث لاحق، بإذن الله تعالى. وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.