البخل وشح النفس ١٦

البخل وشح النفس ١٦
00:00 --:--

فلما نزلت آية الزكاة، جاء لهذا الرجل – الذي قال: إذا رزقه الله المال، سيصنع كذا وكذا، لا يبقى يتيم إلا أكفله! ولا مشروع إلا أعطى فيه! ومحتاج إلا ألبسه – من يجمع الزكاة ويجبيها، وأخبره بنزول آية الزكاة، وأن الزكاة واجبة عليك، فلديك أغنام، وفي هذه زكاة بهذا المقدار. فقال: أنا مسلم وهذه – أي الزكاة - نوع من أنواع الجزية! أنتم تعتبروننا فقراء. فشرح له: الجزية شيء والزكاة شيء آخر. فعاد يقول: لا، لا يصح هذا ولا يستقيم. وظل في أخذ ورد. قيل له: كل من حولك دفع الزكاة. فطلب من الجابي الذهاب الآن، على أن يأتيه لاحقا. فلما أتاه في وقت لاحق للتذكير، وجده قد جمع له من الأغنام والشياه من كانت عرجاء، وأخرى عوراء، وثالثة مريضة، وهكذا. فقال له المزكي: رسول الله (ص) لم يؤمرني بهذا. وتركها عنده ورجع إلى المدينة وأخبر رسول الله (ص) بالقضية. فما كان ذاك عنده شيء، ثم أصبح ببركة دعاء رسول الله (ص) ذا مال. فهل هكذا تكون المعاملة والنتيجة. فنزلت الآية المباركة: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ)، أي: إلى يوم القيامة سيحسب هذا ضمن المنافقين.

البخل في بعض درجاته، يصنع هذا، يصنع نفاقا. وهذا أمر لا نجد ربما من الصفات، إلا القليل منها. لكن القرآن الكريم يثبت هذا المعنى. ففي آية أخرى، يتحدث: (وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ)، وفي ثالثة يتحدث عن جماعة: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ).

قسم من الناس هكذا. إذا رأوك تعطي مالا إلى زيد من الناس، قالوا: "أنت لماذا تعطي هذا؟! كثير من هؤلاء كذابين، مزورين، وما عندهم حاجة"، وإلى آخره. لكن هذا المال المعطى ما كان من جيبك! لست من دفع. لكنه يظل يقول لك: "لا تدفع إلى هذا، فهو إنسان مشبوه، وذاك ليس محتاجا، وثالثا كذا"، وإلى آخره. (وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ). وهكذا أيضا وردت روايات كثيرة في موضوع البخل.

فالبخيل هو: من يمارس هذه الخصلة السيئة، بأن يمنع ماله عمن لا يستحق أن يُمنع عنه. لكن بعض الروايات لدينا وسعت دائرة البخيل، هذه الدائرة التي هي ضيقة، لكن بحسب روايات عن النبي وأهل بيته (ع)، توسعت. فمثلا، من تلك الروايات، عن سيد الأنبياء محمد (ص)، يقول: "إِنَّمَا الْبَخِيلُ حَقُّ الْبَخِيلِ مَنْ لَمْ يُؤَد الزكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ مِنْ مَالِهِ، وَلَم يُعْطِ النَّائِبَةَ فِي قَوْمِهِ، وَهُوَ يُبَذِّرُ".

قسم من الناس، ترى مثلا، حالته الاجتماعية: كريم. اليوم هو صاحب عزيمة، غدا دعوة، بعد غد كذا، سمعته هكذا. لكن عند حق الله عز وجل، كالزكاة، تجده لا يتحرك. في الخمس – الحق الشرعي – تجده لا يتحرك. فإذا كانت القضية: قضية سخاء نفس وعطاء، فينبغي أن يكون تحرك الإنسان في أداء حق الله عز وجل أسرع من حركته في السمعة الاجتماعية.

فليس مطلوبا منك في شهر رمضان، أن تقوم بعمل إفطارات، مثلا. ولا مطلوب منك في كل جمعة أن تعقد مجلس قراءة حسينية، ولا مطلوب منك كذا وكذا، إلا بمقدار ما هو مطلوب منك أن تؤدي الحق المالي المفروض عليك. لهذا يقول النبي (ص) في هذه الرواية: حتى لو كان ذاك يبذر هنا وهناك، لكن من لا يعطي الزكاة المفروضة عليه - والزكاة هنا: تعبير عن عموم الحق المالي الواجب، لا الزكاة الاصطلاحية فقط - أي: بخل عن أداء حقه الشرعي، فهذا لا يعد سخيا، وإن كان يعزم الناس، ويعقد القراءات، ويصنع الاحتفالات، وما شابه ذلك. فهذه توسعة لدائرة البخيل، شملت: من منع حق الزكاة المفروضة.

أيضا، في رواية أخرى، عن زرارة، عن الإمام الصادق (ع)، تعبير آخر: "إِنَّمَا الشَّحِيحُ مَنْ مَنَعَ حَقَّ اللهِ وَأَنْفَقَ فِي غَيْرِ حَقِّ اللهِ". غير حق الله، يعني: عزائم. مثلا: على فلان من الربع والأصدقاء، ولا بد أن يعزمنا. وهو؛ حتى يبين أنه كريم وليس بخيلا، يأتي بهذه الأطعمة. حسنا، لكن حق الله عز وجل أنت لم تؤده بعد! ما هو غير حق الله، أنت تنفق فيه. وما هو حق الله، لا تنفق فيه! هذا بخل وليس سخاء. وهذه توسعة لدائرة البخيل إلى من منع حق الله عز وجل.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة