البخل وشح النفس ١٦

البخل وشح النفس ١٦
00:00 --:--

على أي الحال، هذه الصفة من الصفات الذميمة. هذا مرض من الأمراض التي إذا استوطنت إنسانا فقدته لذة الحياة، وأفقدت من يعيش معه أيضا تلك اللذة. فلا هو يتنعم بحياته، بماله – إذ لديه أموال، لكن من يتنعم بها؟ البنك. قسم من الناس هكذا: رصيده ضخم في البنك. لماذا؟ يقول: "حتى أجني الأرباح". ماذا عن أبنائه وبناته؟ فهذا لا يستطيع الزواج بعد، والثاني لا يملك بيتا، والثالث بلا سيارة، وبيته ينقصه الكثير، لكنه ينتظر أن يحول الحول حتى يربح ٤%! فالمائة ألف التي في البنك، تركها فيه، رغم إمكان تزويج ابنه بها وتحصينه من الانحراف، أو منح ابنته منها كي تدرس بها، لكنه يعطيها للبنك فقط، وملَّاكه – أي ملَّاك البنك – هم وحدهم من يتنعمون بها. فهذه لا تبقى في خزائنهم وإنما يعمدون لاستثمارها.

فهذا البخيل يجمع المال – وإن شاء الله نتحدث عن آلية حياته في وقت لاحق – ثم يعطيها إلى مالك البنك، كأنما يقول له: تفضل، اعمل بها، رفه نفسك، افتتح لك فروعا جديدة، تنعَّم! وأنا سأنتظر حتى آخر السنة، لأجني من كل مائة ٤ أو ٥، أقل، أكثر. وحديثنا هذا مع غض النظر عن الحكم الشرعي في هذا السلوك.

وقسم من هؤلاء لا يأخذ الأرباح، يقول: جيد أن ألحقها برأس المال. ممتاز! فيتركها سنة، ثانية، ثالثة، ورابعة. وصاحب البنك ذاك يتنعم بها، يرتاح، يعيش أفضل حياة بأموال هذا الإنسان الذي دأبه أن يجمعها في جيب ذاك، مالك البنك. فإلى متى؟ ليس معلوما؛ لأنه إذا تمكنت هذه الصفة من الإنسان، أصبح دائما يخاف من المستقبل، فلا يتنعم الآن بماله، خوفا من الفقر في المستقبل! وهذا ما أشار إليه مولانا أمير المؤمنين (ع)، عندما قال: "عَجَبًا لِلْبَخِيلِ! يَتَعَجَّلُ الفَقْرَ الَّذِي مِنْهُ هَرَبَ". فهذا البخيل، يقول: حتى لا أصبح بعد عشرين سنة ليس ذا مال، سأعيش الآن فقيرا، بوضع غير مستقر، على قلق، وفي شدة وأزمة، حتى لا أكون هكذا بعد ٢٠ سنة! فبهذا يتعجل الفقر الذي منه هرب.

ففي المستقبل من الممكن أن يصبح فقيرا. لذلك هو يعيش الفقر الآن، لعشرين سنة مثلا، حتى لاحقا لا يعيش هذا الفقر! هكذا يفكر! مع أنه يحاسب حساب الأغنياء، وقد يحقد عليه أبناؤه، ولا يعودون يرتاحون منه، بل وقد ينفصلون عنه، ويعيش هو وهم حالة من النكد؛ لوهم مستقبلي. وهذا مرض. هذا هو الداء الأخلاقي الذي إذا ابتلي به الإنسان، توترت حياته، وعلاقاته بأهله، ونعمته – تدرون؟ – تزول. وسيأتي الحديث - إن شاء الله – عما هو عندنا متعارف، وهو صحيح، وعليه روايات: أن المعونة على قدر المؤونة. هذه مفاد روايات.

أحد غلمان الإمام (ع) يأتي إليه، فيسأله: "هَلْ أَنْفَقْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا"، أذهبت فاشتريت؟ هل جلبت أغراضا إلى البيت؟ غير ذلك؟ قال: "لَا. فَقَالَ الْإِمَامُ (ع): وَيْحَكَ، فَكَيْفَ تُرِيدُ أَنْ يَخْلِفَ اللهُ عَلَينَا؟"، إذا هذه الأموال ظلت مجموعة، موجودة، فالله يقول: أنت لديك أموال، لم تنفقها بعد، فلماذا تطلب أن تُرزق مالا؟! فبمقدار ما تنفق في مؤونتك، الله يعوضك ويرزقك. فإذا ما أنفقت، يبقى هذا المال وهذا الرزق على وضعه الطبيعي والاعتيادي. فيظل قليلا محدودا.

في القرآن الكريم، بالإضافة إلى الروايات، هناك الكثير الكثير من النصوص الذامة للبخل وللبخيل. نقرأ بعضها. منها ما ورد في قصة ذلك الرجل من أصحاب رسول الله (ص) الذي - نتيجة البخل وعدم الإنفاق - قال القرآن فيه: أنه انتهى إلى النفاق: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ). إذ قال للنبي (ص): "يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنِي مَالًا". فقال له النبي ما معناه: أنك لو تبقى على ما أنت عليه، لهو أفضل لك وأحسن. فلو ترزق بمال يفرط أمرك. فوعده الرجل أنه: لا، لو يُرزق، سيصنع كذا، ويفعل كذا وكذا، وإلى غير ذلك. وما زال برسول الله يلح عليه، حتى دعا له، فقال: "اللهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا". فحصل على شاة، وتوالدت بعد ذلك وتناجت. فباع واشترى؛ حتى صار صاحب شياه وأغنام كثيرة. وقتها، أصبح لا يستطيع البقاء في المدينة. فترك الصلاة مع رسول الله (ص) وراح خارجها. واقتصر أن يأتي للصلاة كل جمعة. وهذا حدث بعدما كان "تربة مسجد" كما يقولون. لكن اختار الخروج من المدينة بعد أن توسع رزقه، ونما قطيعه. فهو يحتاج أن يداري هذه الأغنام والأشياه. يحضر لها العلف والماء، يصعد وينزل من أجلها، هذه والد، وتلك حامل، وثالثة مريضة، وهكذا. حتى ما عاد يأتي للصلاة حتى يوم الجمعة. والجمعة - في زمان رسول الله (ص) - كانت لازمة. لكنه ما عاد يلتزم بها.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة